هو التطهير من الرجس الحسى من الخبائث الحسية ، والتطهير المعنوي بأن يخصص لعبادة الله تعالى وحده فلا يكون مكانا لوثن ، ولا معبدا لغير الله تعالى ، وقد قال تعالى في هذا المعنى السامي :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
( 26 ) [ الحج ] .
ويصح على هذا أن نقول إن العهد أن يبنياه مطهرا من كل خبث في بنائه بقلب سليم ، ونفس مخلصة لوجه الله تعالى ، وأن يجعلاه طاهرا معنى وحسا ليكون للقاصدين له من غير مكة ، والمقيمين حوله ، وسماهم هنا العاكفين مشيرا إلى أن البقاء بجواره مجاورين له قائمين بحقه عبادة ، وعبر في الآية الأخرى بالقائمين أي المستمرين حوله . والطائفون عند أكثر الكاتبين هم القادمون للطواف وحج بيت الله لمن استطاع إليه سبيلا ، وإنه مع أنه موطن الحجيج الطوافين والمقيمين حوله مجاورين معتكفين هو مسجد الله تعالى تقام فيه الصلاة ، فيكون لهؤلاء الطائفين العاكفين ويكون للمقيمين للصلاة ، وأشار إليهم سبحانه بقوله تعالت كلماته :
وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
هم الراكعون وهو جمع تكسير ، وهم الذين يخضعون لله تعالى راكعين متضرعين متبتلين ، والسجود جمع ساجد ، كقعود جمع قاعد ، ورقود جمع راقد . ويراد الركوع الذي هو ركن الصلاة ، والسجود الذي هو الركن أيضا ، واكتفى بذكرهما دون بقية الأركان من قراءة وقيام وقعود ؛ لأنهما مظهر الخضوع الكامل ، والتطامن لرب العالمين .
بعد أن بنى خليل الله أبو الأنبياء بيت الله تعالى بأمر ربه اتجه ضارعا إليه ، أن يجعل ما حول البيت آمنا ، وقد أقاموا في مكان جدب ؛ ولذا دعا ربه أن يرزقهم من الثمرات ، فقال تعالى حاكيا دعاءه :
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ
وفي هذا دعاء إلى أن يكون ما حول البيت بلدا آمنا ، وأن يرزقه من الثمرات ، وهذا يشير إلى أنه عند بناء البيت لم يكن البلد قد تكوّن ، ولكن آية أخرى تشير أن هنا بلدا متكونا ؛ ولذلك ذكر بالتعريف ، فقال تعالى :
رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ
( 35 ) [ إبراهيم ] .