تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
للناس ، لأنه أول بيت للعبادة ، ولأنه بناء إبراهيم أبي الأنبياء ، ولأنه موضع الأمن من الخوف ، ومثابة الناس ، ولأنه أنشئ مطهرا من الأصنام وما جاء بها العرب بعد ذلك إلا بعد أن انحرفوا عن ملة إبراهيم وإن كان - البيت - شرفهم ومحتدهم الكريم . والمثابة : أي المرجع الذي يأوون إليه ، والمثابة مصدر ثاب يثوب مثابا ، وثئوبا ، أي مأوى يأوون إليه عندما تشتد بأحدهم شديدة ويريد الالتجاء إليه سبحانه . وقوله تعالى :
وَأَمْناً
فهو مصدر موصوف به البيت فهو أمن للناس يأمنون فيه من القتل أو الاعتداء ، حتى إن الرجل ليلقى فيه قاتل أبيه أو أخيه فلا يمتد إليه ، وحرم فيه القتل والقتال ، وكان محترما في الجملة من العرب أيام شركهم ، وذلك من هداية الله تعالى لهم بالأخذ بأثارة من بقايا ملة إبراهيم . ولقد قال الله تعالى في هذا البيت :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ ( 96 ) فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
( 97 ) [ آل عمران ] . وقوله تعالى :
مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً
فيه إشارة أولا إلى أن الكعبة مثابة للناس ، يجيئون إليها في حجهم ، كما صرح سبحانه وتعالى ، وفيها قبلتهم إذ يثوبون إليها في الصلاة ويلتفون حولها التفاف الدائرة حول قطبها ، فهم يتجهون إليها من كل أرض الله تعالى . وإن باني الكعبة المكرمة إبراهيم عليه السلام هو وابنه إسماعيل عليه السلام ، وإنه ليبقى الاتصال بين الحاضر والماضي أمر الله تعالى أن يكون مقام إبراهيم للبناء مصلى لمن جاء بعده من الذين سماهم إبراهيم المسلمين ، وهم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ ولذا قال الله تعالى :
وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى
قرئ بالطلب بكسر الخاء ، وقرئ بالفتح على أنها خبر ، وفي الحالين هي معطوفة على
جَعَلْنَا
فعلى قراءة فتح الخاء يكون المعنى جعلناه للناس مثابة وأمنا واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ، وعلى قراءة