تعالى ، وتعنتهم في طلباتهم ، وجحودهم المستكن في قلوبهم الذي يظهر على أقوالهم ، فإذا كانت أقوالهم متحدة ، فلأنها ناشئة من قلوب متحدة في أنها لا تؤمن بشيء ، ولقد جاء عيسى ببينات قاطعة من إحياء للموتى وإخراج لما في القبور ، وتصوير للطين ينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله تعالى . جاءهم بكل هذا فقالوا : هذا سحر مبين فالجاحد لا يؤمن بشيء وليس عدم إيمانه لنقص في الدليل ، بل كلما زاد الدليل قوة زادوا عنتا وكفروا ، وصرفوا عقولهم ونفوسهم لا في الإيمان به ، بل في إعمال الحيلة لرده .
ولذلك رد الله تعالى عليهم بقوله تعالى :
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
أكد الله سبحانه وتعالى أنه بين للذين لا يعلمون في الحاضر ، والذين قالوا مثل قولهم في الماضي ، وأتى لهم بآيات من شأنها أن تدخل إلى القلوب بالإيمان ، ولكن بشرط تقبل القلوب للحقيقة ، وإن من شأنها أن توقن بالحق إذا عين لها دليله ؛ ولذا قال تعالى :
لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ
، أي من شأنهم أن يوقنوا عند وجود الدليل ، لا يترددون وليس من شأنهم التردد ، وينته ترددهم بالجحود .
إن الدليل إذا كان قويا صدقوا بعقولهم ، ولكن إذعانهم لا يكون إلا إذا كانت قلوبهم خاضعة من شأنها اليقين ، وقد تستيقنها النفس ولكن لا تسكن القلوب إلا إذا كان اليقين من القلب المؤمن بالحق أو المستعد له الذي يقذف الله تعالى في قلبه بالنور ؛ ولذا قال تعالى في شأن الجاحدين المتعنتين :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ . . .
( 14 ) [ النمل ] .
والآيات هنا إذا كانت عامة للحاضرين والماضين فهي الآيات التي سبقت لموسى ولعيسى ، وآية محمد الكبرى ، وهي القرآن العظيم الخالد الباقي إلى يوم القيامة .
ومعنى قوله :
قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ
قد أنزلنا بينة مقنعة بذاتها ؛ لأنها العلامات والأمارات القاطعة في الدلالة على الله ، وعلى نبوة الرسول الذي بعثه الله تعالى .