ولعل أشد الوثنيين الذين أغاروا عليهم - بولس ، الذي سموه رسولا ، فقد كان عدوا للمسيح في حياته في هذه الدنيا ، كان إلبا عليه يحرض الرومان ، ثم ادعى أنه دخل المسيحية ، وما دخل ، أو دخلها ليخربها وهو أول من أدخل الوثنية فيها ، واطرح فيها تعاليم المسيح اطراحا .
ج - وقد كانت الأفلاطونية الحديثة تتكون ، وأساسها أن الأوثان الرومانية فقدت قوتها ، والفلسفة هي الأخرى فقدت سلطانها ، فأرادت الأفلاطونية الحديثة أن تصل إلى نفوس الرومان باسم الدين وأرادت أن تجمع من بقايا من الوثنية ، ومن اليهودية والنصرانية التي ظهرت دينا جديدا ، فكانت النصرانية التي خرجت عن دين المسيح عليه الصلاة والسلام ، وهي جمعت بين الوثنية بألوهية المسيح وروح القدس مع الله ، واليهودية باعتبار التوراة أصلا لها فصارت النصرانية .
والأفلاطونية الحديثة التي يعد أكبر رؤسائها أفلوطين المتوفى سنة 27 ميلادية تعتقد أن العالم نشأ عن الشئ الأول ، وهو الله أو العقل الأول عندهم ، ثم نشأ عنه العقل الثاني وهو ما سمى عند النصارى بالابن ، ثم نشأ عنهما الروح العامة المتصلة بالمخلوقات جميعا .
د - مع هذه الأعراض التي ظهرت في المسيحية ، ومع هذه المحاولات الوثنية كان التوحيد هو المسيطر وهو الأكثر أتباعا في القرون الثلاثة الأول والثاني والثالث ، وخصوصا في الأول والثاني ، وإذا كانت وثنية تظهر ، فإن الكثرة الموحدة تطردها كما يطرد الجسم السليم بحيويته الأمراض ويتغلب عليها ، واستمرت كذلك طول هذه القرون الثلاثة .
حتى جاء بطريق الإسكندرية ، وهي موطن الأفلاطونية الحديثة ، جاء باتفاق مع قسطنطين إمبراطور الرومان في أول القرن الرابع ، وادعى أن التوحيد بدعة في المسيحية ، وأن الأصل فيها ألوهية المسيح في زعمهم ، وأن آريوس الموحد وكان في الإسكندرية قد ابتدع التوحيد مع أن كل كنائس مصر والشام موحدة لا يرتاب أتباعها في ذلك .
زهرة التفاسير — صفحة 381
مساهمون: محمد أبو زهرة
ص٣٨١