تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 380

مساهمون:

ص٣٨٠
وهذا يدل على أمرين : أولهما - أنه سبحانه وتعالى فاعل مختار يفعل ما يريد ، وأن الأشياء نشأت بإرادته المختارة ، فهو فعال لما يريد ، والأشياء لم تنشأ نشوء المعلول عن علته ، أو المسبب عن سببه . ثانيهما - أنه لا يمكن أن يكون له ولد ؛ لأن الولد يتولد عن والد ، ولا يخلق الله تعالى الأشياء بطريق التوالد ، من توليد لا حق بسابق ، بل إنه سبحانه وتعالى ينشئ في الابتداء ، والتوالد بين الأحياء يكون بسلطانه ، وبحكمته وهو العزيز العليم . إن المسيحية بعد المسيح عليه السلام سارت في ذلك المسار الذي انته بوثنيتها وانحرافها ، وتحللها من العقيدة التي دعا إليها المسيح عليه السلام ، وهي عقيدة المسيح ، وأنه رسول الله تعالى ، وأنه عبده
لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ . . .
( 172 ) [ النساء ] وقد تم ذلك على النحو التالي : أ - عندما توفى الله المسيح إليه ، توالى التعذيب على أتباعه ، والتعذيب ابتدأ في حياته عليه السلام في هذه الدنيا فقد اضطهده اليهود ودسوا عليه عند الرومان حتى هموا بصلبه ونجاه تعالى إذ شبه لهم ، وما قتلوه وما صلبوه وتوالى من بعد ذلك تعذيب الرومان ، في عهد ملوك كثيرين منهم ، فكان منهم نيرون الذي كان يطلى أجسامهم بالقار ويشعل فيه ، ويسيرون في مواكبهم مشتعلين ، وكان زينة موكبه تلك المشاعل الإنسانية ، ومنهم دقلديانوس الذي قتل مقتلة عظيمة في سنة 282 ، وإنه في وسط هذا الاضطهاد كان المسيحيون يقيمون شعائرهم الدينية في الخفاء إذ كلما ظهروا عذبوا ، وكانوا إذا ظهروا أخفوا عقائدهم فكانوا يفتشون القلوب وينقبون عن خبايا النفوس ، ولا يسلم الدين مع هذا الاختفاء إذ لا يكون مرشد هاد ، ولا رقيب يمنع دخول الزيف في دينهم . ب - وفي هذه العصور دخلت عناصر من الوثنيين يحملون وثنيتهم ، وخلطوا ما بينها وبين عقيدة التوحيد التي جاء بها المسيح عليه السلام ، وإن الاختلاط بمرضى الحقائق يجعل الضلال يسرى إليهم كما تسرى عدوى الأمراض .