وبعد ذلك يشير إلى الوثنية في الديانة النصرانية المثلثة ، التي ابتدأت بادعاء أن المسيح ابن الله ، وإذا كان اليهود قد شاركوهم في أن عزيرا ابن الله ، فإنهم لم يلجوا فيه ، ويجعلوه جزءا من دينهم ، كما لج النصارى قبحهم الله ، وزادهم ضلالا فوق ضلالهم ، ووهما فوق أوهامهم فقد ضلوا سواء السبيل ولا أمل في هدايتهم إلا أن يتخلصوا عن هذه الأوهام وإلا فذرهم في غيهم يعمهون ، وإن الله تعالى يهدى من يشاء .
وقالوا - أي النصارى ومن قاربهم من اليهود ، وإن لم يلجوا لجاجتهم - قالوا وعليهم إثم ذلك القول لأنه اختراع كاذب ، ونسب سبحانه وتعالى القول إليهم ، لأنه ضلالهم الذي به ضلوا ، وخرجوا عن التوحيد إلى الوثنية .
وقولهم هو :
اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً
أي أن اللّه تعالى هو الذي اختار ولدا ، أو جعله ولدا ، وهذا يدل على زعمهم الباطل من أن الله تعالى احتاج إلى أن يكون له ولد ، ورغب فيه وأراده ، أو اشته كما يشتهي الأحياء أن يكون له ولد لحاجته إليه .
وقد رد الله تعالى عليهم ذلك الزعم بأربعة أدلة تدل على بطلان ذلك الزعم الوثني الذي يشابه مقالة عبدة الأصنام :
الدليل الأول : قوله تعالى :
سُبْحانَهُ
أي تنزه عن ذلك وتقدست ذاته العلية أن تكون مشابهة لأحد من الحوادث الذين يتوالدون ويتناسلون ، فهو الواحد الأحد الذي لا يشابه أحدا من خلقه ، ليس كمثله شئ ، ولو كان له ولد لكان مشابها للحوادث ولكان له زوج ، كما قال تعالى :
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ . . .
( 101 ) [ الأنعام ] وأنه لو كان له ولد تولد منه لكان له والد ، وهو منزه عن ذلك فهو الواحد الأحد الذي ليس له والد ولا ولد .
الدليل الثاني : أنه لو كان له ولد لكان مفتقدا إلى من يكمل وجوده ؛ لأن الولد امتداد لأبيه ، فهو كمال وجوده ، والله تعالى ليس بمفتقر لأحد ؛ لأنه الكامل المنفرد بالكمال ، وقد أشار سبحانه وتعالى إلى ذلك الدليل بقوله :
بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
، وبل هنا للإضراب والانتقال من تنزيه إلى تنزيه ، والمعنى أن له