تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
ثم المنع أهو من مسجد واحد ، أم منع من مساجد متعددة ، أو حكم عام - وهو الظاهر - أم ذكر لوقائع معينة ؟ قال بعض العلماء ، وعلى رأسهم ابن جرير الطبري : إن المراد مسجد واحد ، وهو المسجد الأقصى ، إذ منع النصارى الصلاة وذكر الله فيه ، وخربوه بعد أن حرفوا النصرانية ودخلوا في الديانة المحرفة . وقال الأكثرون من المفسرين : إن الكعبة المكرمة هي التي منع المشركون في مكة أن يذكر فيها اسم الله تعالى ، وذلك عام الحديبية فقد منعوا النبي صلى اللّه عليه وسلم والمسلمين من أن يدخلوا البيت الحرام . وعلى رأس هذا الفريق من مفسري السلف الحافظ ابن كثير رضى الله تبارك وتعالى عنه ولنترك الكلمة له . قال : والذي يظهر لي القول الثاني وهو أن المنع كان من البيت الحرام ، وروى عن ابن عباس أن النصارى منعت اليهود الصلاة في بيت المقدس ؛ لأن دينهم أقوم من دين اليهود ( وفي ذلك نظر ) وكانوا أقرب منهم ، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا ؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ، وأيضا فإن الله تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد ، وأما اعتماده ( أي ابن جرير ) على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة ؛ فأي خراب أعظم مما فعلوا ؟ ! ! أخرجوا عنها رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم كما قال تعالى :
وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
( 34 ) [ الأنفال ] وقال تعالى :
ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسى أُولئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
( 18 ) [ التوبة ] . ويسترسل الحافظ ابن كثير في سوق الآيات الدالة على منع المشركين من أن يدخل المؤمنون البيت الحرام ، وفسر تخريب البيت لا بمعنى تدميره ونقض بنيانه ،