ولقد جاء في عبارة ابن كثير أنهم - أي النصارى - خير من اليهود ، وأنهم أقرب اعتقادا ، ونقول : إن هذا ليس بصحيح . إنهم لا يقلون فسادا في اعتقادهم عن اليهود ، وإنهم ملة واحدة في سوء الاعتقاد ، وضياع الإيمان ، وإذا كان بعض النصارى في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا أقرب مودة للذين آمنوا ، فجلهم آمن واهتدى ، ومن بعد ذلك فهم واليهود على سواء في العداوة الأثيمة .
والآية كما قال بعض المفسرين تشمل المشركين والنصارى واليهود ، فالمشركون منعوا المسجد الحرام أن يذكر فيه اسم الله تعالى ، والنصارى منعوا اليهود وخربوا المسجد الأقصى ، واليهود بما حرفوا وبما عصوا واعتدوا ، وبكفرهم عجزوا عن حماية المسجد الأقصى فدمره القوم عليهم تدميرا .
وإن الذين قالوا هذا : إن هؤلاء جميعا نالهم خزى الدنيا ، فالمشركون بإزالتهم أصنامهم ، ومنعهم من دخول البيت وهم مشركون ، واليهود والنصارى بالجزية تفرض ، ويدفعونها خائفين غير مستكبرين .
ثم ذكر سبحانه العذاب الأنكى والأشد في الآخرة فقال تعالى :
وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ
وقوله « لهم » معناه أنه مختص بهم ، ونكر العذاب لشدته ، ووصف بأنه عظيم لقوته .
وكان اليهود الذين يساكنون النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة وعقد معهم العقود ، وانتهكوا حرماتها ، ونقضوها - كثيرى القول في الإسلام ، لا يتركون أمرا يظنونه مكيدة للمسلمين إلا فعلوه ، ولا علما علموه فيه إلا نابذوه وأشاعوا بين المسلمين الشك فيه .
كانت القبلة ابتداء - وقد هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم - إلى بيت المقدس ، فأخذوا يشيعون في المؤمنين تبعية محمد صلى اللّه عليه وسلم إلى دينهم ، وقد كان من قبل يتجه إلى القبلتين ، ولكن لما هاجر كانت مكة تحت سلطان الشرك وفي قبضته والأوثان حولها ولم يكن في ظاهر الأمر أنها ستخرج من أيديهم ، وإن كان أخذ يضايقهم في عيرهم ؛ الرائح إلى الشام ، والقافل منها .