تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
ذكرنا ذلك من قبل ، أي أن هذا ما يتمنونه ، ولكن لما ذا قال تلك أمانيهم ولم يقل تلك أمنيتهم فذكر ذلك بلفظ الجمع « قالوا » ؟ : إذ الجمع يدل على أنه أمنية كل واحد بعينه فجمعت للدلالة على عموم التمني ؛ وذلك لأنهم يحكمون لأنفسهم بأمانيهم لا بأعمالهم بما يتمنونه لا بما يتخذون لنيله الأسباب . ولأن لفظ الجمع تأكيد لأن يكون هذا تمنيا لهم استجابة لغرورهم وأهوائهم ، وقد قال تعالى لبيان أنها أمان كاذبة ليس لها من سبب ولا دليل
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
أقر رسوله صلى اللّه عليه وسلم أن يقول لهم : هاتوا برهانكم ، ولم يقل سبحانه سنكل طلب البرهان إلينا ؛ لأنه عالم الغيب والشهادة ، يعلم كذب ما يقولون وافتراءهم ، وقد حكم سبحانه وتعالى بأنه ما يتمنونه لا ما يستحقون فلا يطلب الدليل من يعلم ؛ وقد فرض على النبي صلى اللّه عليه وسلم أن يطلب لا ليقتنع ولكن ليبين كذبهم في ادعائهم . طلب منهم أن يأتوا ببرهان ، والبرهان هو الدليل القاطع الملزم الذي لا يعتريه ريب ولا شك أنه ليس عندهم دليل ظني أو قطعي من كتاب منزل أو قول نبي مرسل . ولذلك قال سبحانه :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
فجعل أداة التعليق الدالة على الشك ، وهي « إن » ؛ إذ إنه لا دليل عندهم فهم غير صادقين . ثم بين سبحانه وتعالى أن دخول الجنة بالإخلاص والعمل لا بالتمنى الكاذب فقال تعالى :
بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
بلى حرف للجواب بالنفي كما أن نعم للجواب بالإيجاب ، وبلى تتضمن معنى الإضراب وهذا الكلام رد على المفترين الذين يتمنون الأماني الكاذبة فليست الجنة إلا جزاء المتقين ولا تكون للكذابين الجاحدين .
مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
ومعنى أسلم وجهه لله تعالى أسلم نفسه كلها لله تعالى ، فتكون كل جوارحه وكل أحاسيسه وحركات قلبه خالصة لله تعالى خائفة منه خاضعة لكل ما يأمر وينهى ، وعبر بالوجه فإنه كثير ما يعبر به عن الذات