تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
ويصح أن نقول : إن عصينا القلبية كانت مقارنة لسمعنا ، أي أنهم قالوا سمعنا ، وقلوبهم جافية معرضة كأنها تنطق بحالهم ، وهو عصينا فكأنهم سمعوا ، وهم على نية العصيان فقلوبهم جافية عن الاتعاظ بما يسمعون . ولقد كان أوضح المظاهر التي دلت على عصيانهم ، وأنهم سمعوا وعصوا هو عبادتهم العجل ، أو بالتعبير القرآني المنزه الحكيم اتخاذهم ، ولذلك ذكره بعد تسجيل العصيان فقال :
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
. بعض علماء اللغة يقولون إن المعنى على حذف مضاف تقديره حب العجل ، وذلك مجاز مشهور يسمى مجاز الحذف ، فذكر القلوب ، والقلوب لا تشرب العجول قالوا إنه مجاز بالحذف ، والقلوب تنكت فيها المفاسد ، روى عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « تعرض الفتن على القلوب عودا عودا ، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء » . وبعض المتفقهين في اللغة قالوا : لا حاجة إلى تقدير محذوف ؛ لأن أشرب متعلق بالعجل مباشرة ، لأن تعلق الإشراب به ليس مقصورا على المحبة ، بل إنه يتجاوزها إلى العبادة ، وإلى أنه تكون صورته في قلوبهم لا تفترق عنها ، ويكون من قبيل أشرب الثوب الصبغة ، أي خالطت أجزاءه ، وتغلغلت فيه ، فالعجل تغلغل في قلوبهم فألفوه وصار جزءا من تفكيرهم ، كما صارت الصبغة جزءا من الثوب ، لا تنفصل عنه ، وهذا نوع من الاستعارة ، فاستعيرت كلمة الإشراب لتغلغل ذكره في قلوبهم كأنه حل حلول الشراب فيها . وكلمة في قلوبهم قرينة الاستعارة ، وأشرب للبناء للمجهول لكثرة الأسباب الباطلة التي أشربته قلوبهم ، فالشيطان زينه لهم ، وسول لهم عبادته ، وعشرتهم للمصريين الذين كانوا يقدسونه ، والعشرة المستمرة لهم مع مظالمهم ، وضلال نفوسهم كل هذا سهّل سريان عبادة العجل إليهم ؛ ولذلك قال بكفرهم ، أي بسبب كفرهم المستكن في نفوسهم ، ولقد حكم الله تعالى عليهم بقولهم :
قُلْ بِئْسَما