تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
وردهم نؤمن بما أنزل علينا ، أي لا نرى الإيمان إلا بما أنزل علينا نحن مع أن المنزل واحد ، وهو الله تعالى ولكنهم يغالون في اتباع هواهم وشهواتهم ، فيزعمون أنه لا أنبياء إلا فيهم وإنهم يكفرون بما وراءه ، أي بكل ما جاء بعده ، فوراء يبين ما جاء خلفهم وبعدهم كما كفروا من قبل بعيسى عليه السلام . ويبين الله تعالى أن ما أنزل من القرآن هو الحق وهو مصدق لما معهم ، فقد وصفه سبحانه وتعالى بوصفين أحدهما ذاتي وهو الحق أي أنه ثابت في ذاته ما أتى إلا بأمور ثابتة يقرها العقل ، وتقرها الفطرة ، وتدل عليها البينات وهو ذاته معجز ، مثبت وجوده بنفسه ، لا يحتاج إلى بينات وراءه ، والثاني إضافى وهو أنه مصدق لما تضمنته المواثيق التي أخذت عليهم ، وهذا الوصف يرد زعمهم الفاسد ، بإثبات عدم المغايرة بين ما جاءهم به النبي صلى اللّه عليه وسلم وما نزل ، وبين ما عندهم ؛ فالأصل واحد وأن تفريقهم بين ما أنزل الله من قرآن ، وما أنزل عليهم تفرقة بين شيئين غير متغايرين إن كانوا يؤمنون حقا بالحق من كتبهم . ولكنهم قوم لا يؤمنون بشيء لا بما عندهم ، ولا بما أنزل الله من قرآن كريم ؛ ولذا قال تعالى مثبتا كفرهم بكل شئ ، بالوقائع التي كانت من أسلافهم ، وارتضوها هم ، فقال تعالى :
قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
. والمعنى : قل لهم يا نبي الله ، إن كنتم تزعمون أنكم آمنتم بما عندكم ، فلم تقتلون أنبياء الله ؟ أي الأنبياء الذين بعثهم الله تعالى إليكم ، وذكر الأنبياء مضافين إلى الله تعالى لإثبات جحودهم المطلق ، وأنهم يعاندون أوامر الله تعالى سواء أكان من بعثه من ولد إسحاق أم كان من ولد إسماعيل ، فقد قتلوا زكريا ويحيى ، وهما من ولد إسحاق ، وإنه إذا كان عندهم بقية من إيمان فما كان يسوغ قتل أنبياء الله ؛ ولذلك قال تعالى في ختام الآية الكريمة :
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي أن ما كان منهم في ماضيهم وأمره حاضرهم يتنافى مع صفات المؤمنين وذلك تنديد بهم ، وبيان أنهم لم يؤمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معهم ، ولا يؤمنون بما عندهم .
زهرة التفاسير — صفحة 315 | محمد أبو زهرة