الكتاب ما معهم ، ذلك هو الضلال البعيد ، ولن يكون في كتاب منزل من عند الله ، ولا يدّعيه إلا الذين هوت نفوسهم إلى مثل هذا الحضيض الأوهد من الأخلاق .
وإن اليهود الذين كانوا في عصر النبي صلى اللّه عليه وسلم كانوا يعلنون أنه سيكون نبي ، وأنهم يتوقعون أن لا يكون منهم كما ذكر من قبل ؛ ولذلك قال الله تعالى :
وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا
السين والتاء للطلب أي يطلبون الفتح ، والفتح هو النصر كما في قوله تعالى :
فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ . . .
( 52 ) [ المائدة ] وأطلق الفتح على النصر العادل ، لأن النصر يفتح الطريق أمام الحق ، وقد بشر الله تعالى بالنصر في قوله تعالى :
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ( 1 ) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 2 ) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً
( 3 ) [ الفتح ] .
كان اليهود إذا كانوا في حرب مع المشركين ممن يجاورونهم في المدينة يطلبون النصر بالنبي الذي حان حينه وحل ، أوانه ويحسبون أنه سينصرهم على المشركين ؛ لأنه سيجئ بمحو عبادة الأوثان وتحطيمها .
روى محمد بن إسحاق بسنده عن قتادة الأنصاري عن أشياخ منهم : قال : فينا والله وفيهم ، ( يعني في الأنصار واليهود الذين كانوا جيرانهم ) نزلت هذه الآية :
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ
كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ، ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب ، وهم يقولون : إن نبيا سيبعث الآن نتبعه قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم ، فلما بعث الله رسوله ، وكان من قريش آمنا به واتبعناه وكفروا به .
ولم يكن ذلك الاستفتاح بين اليهود من بنى النضير وجيرانهم في المدينة ، بل كان بين اليهود ، وغيرهم في داخل الجزيرة ، يروى ابن عباس رضي الله عنهما أنه كانت يهود خيبر تقاتل غطفان ، فلما التقوا هزمت يهود خيبر فدعت بهذا