يقال إنه كسبه إذا عمل قاصدا مستمرا ، حتى يكون له مجرى في قلبه ، وينكت فيه نكتا سوداء ، فهذا هو الذي يقال له كسب السيئة ، والسيئة فيعلة من ساء يسوء سيوئة فهي في أصلها سيوئة ؛ اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت الواو ياء بمقتضى القاعدة الصرفية ، والسيئة كل فعل يكون أثره سيئا في الناس أو في الجماعة أو في النفس ، فيفسد التقدير ، ويكون وبالا ، فيظلم نفسه ، والناس ، ومن حوله .
والخطيئة فعيلة من الخطأ ، ولكن هناك فرقا بينهما فالخطأ يقع من غير قصد ابتداء ، ولكن لا يتكرر ، أما الخطيئة فهي الفعل المقصود الآثم المتكرر الذي يخط في النفس خطوطا ، حتى يصير الذنب عادة له أو كالعادة فيصدر الشر عنه وباستمرار من غير قصد خاص إليه ، وكأنه يقع غير مقصود ، وفي الحال تكون النفس قد أركست بالشر إركاسا ، فالخطيئة حال نفسية للنفس الآثمة التي تمرست بالإثم ؛ ولذا قال تعالى :
وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ
أي أن الخطيئة استولت على النفس ، وصارت كأنها قبة قد أحاطت بالنفس الآثمة من كل جوانبها .
وفي هذا إشارة إلى أحوال بني إسرائيل ، وأنهم أحاطت بهم خطاياهم .
وقد ذكر سبحانه وتعالى جزاء هؤلاء وهو محقق بالنسبة لبنى إسرائيل
فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
الإشارة إلى الذين كان منهم كسب العمل الخبيث ، وأحاطت بهم خطيئاتهم ، واستغرق الشر نفوسهم ، فالإشارة إلى الذين فيهم هذه الحال ، وقد حكم سبحانه وتعالى بأنهم
أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
.
وقد أكد خلودهم في النار بأنهم أصحابها أي الذين يلازمونها ، والذين حكم عليهم بصحبتها ، وأكد سبحانه وتعالى خلودهم فيها بالجملة الاسمية ، وبضمير الفصل هم . وكان تأكيد خلودهم وملازمتهم بالصحبة ردا على ادعائهم أنها لن تمسهم إلا أياما معدودة ، وأنهم غير مخلدين بل هم أصحابها الخالدون فيها .
وإن الرد على أولئك الذين دلاهم الشيطان بالغرور فقالوا : لن تمسنا النار إلا أياما معدودة ينته إلى هنا إن كانوا يتدبرون ويعقلون .