تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 285

مساهمون:

ص٢٨٥
وقد أكد سبحانه وتعالى الهلاك النازل بهم يوم القيامة فقال تعالت كلماته :
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ
( 79 ) . ومعناها ويل لهم أي هلاك بسبب ما كتبت أيديهم ، لأنها بهذه الكتابة حرفت وبدلت وسجلت في الكتاب هراء وأباطيل ، فكانت في ذاتها إثما ، وهذا يرجح أن موضع إفكهم الكتابة الباطلة نفسها لا تأويلاتهم فقط ، وويل لهم من الكسب الذي كسبوه من أعراض الدنيا ، لأنه سحت في ذاته ، إذ إن ما دفع في سبيله كان باطلا ، وهو أخذ لمال الله بالباطل ، وما يكسبونه من جاه أو سلطان أو رئاسة أمر باطل ؛ لأنه دفع الحق عن سبيله ، وإن الله تعالى لا يبارك شيئا أخذ بغير حله ، فهو كالاغتصاب لا يطيب لنفسه ، وكذلك عد سبحانه وتعالى الكتابة سببا للعقاب الشديد ، والكسب الذي كسبوه بالتضليل سببا للويل ، وقال تعالى :
يَكْسِبُونَ
بالمضارع للدلالة على تجدد ما يكسبون ، وكذلك الويل يكون متجددا مثله ، وقد بين سبحانه بعض هذه التأويلات الفاسدة ، والتفسيرات الكاذبة ، فحكى سبحانه وتعالى عنهم فقال :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
. هذا القول من التأويلات الفاسدة ، وهو مبنى على قولهم نحن أبناء الله تعالى وأحباؤه ، وأنهم لا يعذبون ، ولكن يمتّعون ولا يؤثّمون
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً
قالوا : لن تعذبنا النار إلا أياما معدودة ، بل قالوا :
لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ
، كأنهم لا يدخلونها حتى في هذه الأيام ، بل تمسهم ريحها أو نحو ذلك مما يفترى المفترون كما تقول أنت تهديدا بالضرب أو نحو ذلك : لن تلمسنا بيدك قط إلا مسا خفيفا . فهم نفوا نفيا مؤكدا - بلن - أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة تمسهم مسا ، ذلك قولهم ، وتلك أمانيهم ومعنى معدودة أنها عدد قليل يعد وليس عددا كبيرا تجاوز الحسبة . وهذا القول يدل على أمرين : أولهما - بيان أنهم صنف مختار والعذاب والحساب على غيرهم ، فهم الذين يحاسبون ويعاقبون ، أما هم فهم فوق الحساب ، وفوق العقاب .