تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
على أنه من عند الله تعالى ، وهم الذين كتبوه وصنفوه ، وقد يكون فيه بعض ما جاء عن طريق موسى والنبيين من بعده ، ولكنه في جملته ليس صادقا في كل ما كتبوا ، ويكون قوله تعالى :
بِأَيْدِيهِمْ
بيان لأنهم كتبوه حقيقة لا مجاز فيه ، وفيه تصوير لحالهم ، وهم يكتبون بأيديهم . هذا الوجه يكون فيه قوله تعالى عنهم :
يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
الإشارة إلى المكتوب لا إلى التأويلات التي يتأولونها خارجين بالكلام عن مواضعه ، ويكون معنى قوله تعالى :
وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . .
. ( 78 ) [ آل عمران ] أي ليس ما كتبوه بأيديهم من عند الله ، وهناك تأويل آخر في الإشارة في قوله :
يَقُولُونَ هذا
الإشارة فيه ليست إلى المكتوب ، ولكن إلى التأويلات التي يحرفون بها الكلام عن مواضعه ، ويتجهون به إلى أوهام توهموها ، وكذبوا على الحقائق الثابتة ، ويكون المكتوب هو كتابهم . والمعنى على هذا : ويل لهم إذ يكتبون الكتاب بأيديهم ، ومع أنهم يكتبونه بأيديهم يحرفونه عن مواضعه ، ويقولون عن تحريفهم إن هذه التأويلات هي من عند الله ، والحقيقة أنه وقع منهم الأمران ، فهم كتبوا كتابهم محرفا زادوا فيه ، ونقصوا منه ، ونسوا حظا مما ذكروا به ، وعبثوا بحقائقه ، وتأولوا ما صدقوا من نقله منه بغير متأوله . كان منهم الأمران ، وعبثوا بما أنزل الله تعالى عبثا بينا ، وغيروا وبدلوا ، وأولو تأويلات باطلة . وقد علل الله تعالى الباعث لهم بأنه ثمن قليل ، وهو أعراض الدنيا ، بأن يكون لهم سلطان ورئاسة ، وأن يكون اختصاص باطل بالنبوة ، وأن يمالئوا أهواء الناس ، ولقد قال ابن عباس رضى الله تعالى عنه : إن الدنيا بحذافيرها ثمن قليل بالنسبة للحق الذي ضيعوه ، والباطل الذي زيفوه .
لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
وهنا نجد النص الكريم يفرض معاوضة قامت بين أحبار اليهود في أفعالهم ، اشتروا بالبضاعة الثمينة الغالية التي في أيديهم بأن دفعوها في نظير ثمن ضئيل هو أعراض الدنيا ، أو نقول أن اشترى هنا معناها باع أي باعوا ما في أيديهم من حقائق اؤتمنوا عليها وأخذوا ثمنا قليلا مهما حسبوه كثيرا .
زهرة التفاسير — صفحة 284 | محمد أبو زهرة