تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 251

مساهمون:

ص٢٥١
طلب الله تعالى إليهم كل ذلك ، ولكن نفوسهم طبعت على الأهواء والشهوات والأوهام فتركهم الله تعالى لتؤدى هذه الأخلاق إلى ما تنته إليه ، وهو الذلة ، فما أذل النفوس كالشهوات والأهواء ، وإذا هانت النفوس ذلت ، وإذا سيطرت عليها الأهواء خنعت ، ولا يورث في النفس المذلة إلا المطامع . ولذا قال تعالى :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
أي أحاطت بهم المذلة لا يخرجون من دائرتها ، بل يتنقلون في دائرتها ؛ ينتقلون فيها من جانب إلى جانب ، ولا يخرجون منها ، فصارت حالهم في ذلتهم ، كحال من ضربت عليهم قبة لا يخرجون منها ، ولذلك عبّر بضربت عليهم ، والمسكنة هي الخضوع والاستسلام للوهن والضعف ، وهي لازمة للذلة ، فحيث كانت الذلة كانت المسكنة ، والخضوع للظالم ، ولا يرضون إلا بالذل ، ولا يقبلون غيره ، فإن النفس إذا ألفت الذل ، واستمرأته ، ترضى بكل من يذلها وتسكن خاضعة له . فالمسكنة مصدر ميمى على وزن مفعلة معناه الخضوع المطلق والرضا بالظلم ، أو الظهور بمظهر قبوله ، وهو السكون ممن لا يجابهون أهل الباطل بقولهم الحق يصك آذانهم صكا . هذه الأخلاق هي نتيجة لسيطرة الأهواء والشهوات ، وهي الداء الذي يصحب من يعيشون في خصيب الأرض ولين العيش ، ويفكهون في ملاذ الدنيا ، ويستمرءون البقاء فيها . ولقد قرر الله تعالى عقوبة قاسية لذوي الضمائر الفاسدة ، وهي أنهم يرجعون بغضب الله تعالى ، فهم مطرودون من رحمة الله تعالى ، فمعنى
وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ
أي أنهم رجعوا مصاحبين غضب الله تعالى ملازما لهم لا ينفكون عن الغضب ، بل إنه يلازمهم في كل أدوار حياتهم . ولقد ذكر الله سبحانه وتعالى ذلك الغضب الذي لازمهم بعد أن طردهم من رحمته ، وأنهم لا يستحقونها ، ذكر سبحانه وتعالى السبب في ذلك فقال تعالت كلماته :
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
.