لهم أن يأكلوا من ثمرات هذا الماء الذي يجيء إليهم من هذه العيون التي تفيض في الأرض غير مقطوعة ، ولا ممنوعة .
وإن النعمة إذا كثرت على أمثال بني إسرائيل كانت مظنة الفساد ، ولذا قال تعالى :
وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ
( 60 ) العثو ، من عثى يعثى بمعنى أفسد ، أو بمعنى أضاع كل ما فيه من خير ، فاعتدى على حق غيره ، فيعثون يشمل كل فعل يؤدى إلى الاضطراب والإفزاع ومنع الخير ، ويتقارب من معنى العبث ، ويكون قوله تعالى :
مُفْسِدِينَ
ليس تكرارا للفظ لا تعثوا أو تأكيدا ، إنما هو لبيان العثو ، وهو القصد إلى الإفساد ، فمفسدين معناها قاصدين إلى الإفساد .
وإن بني إسرائيل شأنهم دائما ألا يستقروا ، بل هم في تململ مستمر ، ولا يهمهم إلا الطعام والشراب ؛ ولذا قالوا لموسى عليه السلام الذي ابتلى بهم :
يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ
.
كان اليهود ( لعنهم الله ) لا يهمهم إلا ما يطعمون ، فسألوا الأكل أولا ثم سألوا الماء ثانيا ، ثم سألوا تلوّن الأطعمة ، ولم يفكروا في أمر معنوي ، لم يفكروا في العزة بعد الذلة ، ولا في النجاة بعد القتل ، ولا في المعاني الروحية التي جاء بها موسى عليه السلام ، ولا في الإيمان بعد الكفر ، ولا في الرفعة بعد الحطة .
لم يفكروا في شئ من هذا إنما فكروا في الطعام وألوانه ، لم يطلبوا الهداية ، ولكن طلبوا ألوان الطعام ، وقال تعالى عنهم :
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
والمعنى : اذكروا معشر الحاضرين ما قلتم أنتم وأسلافكم ، ولا تفكير لكم في جهاد تجاهدونه ، ولكن في طعام تأكلونه ، نادوا موسى وهو لهم كالأم الرءوم :
يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ
وهو المن والسلوى ، وقالوا : على طعام واحد ، لأنه لون واحد متكرر مستمر ، لا يتغير ، فهو يعرض بطريقة واحدة ، والشئ المتكرر