تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 249

مساهمون:

ص٢٤٩
يكون شيئا واحدا ، ولو تجدد وتكرر ، ولو كان أكثر من واحد ، ولو كان طيبا ، وإن الرجل المادي يسأم ما يقدم له كل يوم ، ولو كان أشهى ، وقالوا يائسين من أن يرضوا : لن نصبر على طعام ، فأكدوا النفي ب « لن » ، ودلوا على تململهم بقولهم : « لن نصبر » ، أي لن نستطيع أن نضبط أنفسنا فنحملها على الرضا بطعام واحد . ورتبوا على نفيهم الصبر نفيا مؤكدا قولهم :
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها
، الفاء فاء الإفصاح التي تفصح عن شرط مقدر دل عليه قولهم لن نصبر تقديره ؛ فإذا كنا لا نصبر ،
فَادْعُ لَنا رَبَّكَ
ومعناه اضرع إلى ربك الذي خلقك وربك لا إلى أن يهدينا بل إلى أن يخرج لنا مما تنبت الأرض ، وقوله « يخرج » في معنى جواب الأمر ، أي إن تدع ربك فإنه يخرج لنا ، فهم لتلهفهم على ما يأكلون افترضوا أن الدعاء قد وقع ، وافترضوا أن إجابة الدعاء قد تمت ، فقالوا هذا الكلام الدال على رغبتهم في الإجابة السريعة . والبقل معروف ، وهو كل نبات لا ساق له غالبا كاللوبيا والفاصوليا ونحوهما كالفول ، وفومها وهو الثوم وقيل القمح واللغة لا تساعد ذلك ، وعدسها وبصلها وهما معروفان ، ولكن موسى عليه السلام لم يسارع بالدعوة التي طلبوها ، ولم تكن الإجابة التي رغبوها لإشباع نهمتهم ، بل ذاكرهم فيما يطلبون ، وبين لهم أنهم يطلبون غير الحسن ويتركون الحسن ، فقال لهم :
أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ
، أي أتتركون الخير ، وتطلبون بدلا منه الذي هو أدنى منه وإن كان من نعمة الله تعالى . وعبر عن الذي طلبوه بأنه هو الذي أدنى في الرتبة والمنزلة الغذائية وأنه خلق كذلك ، وإن كان نعمة في ذاته ولكن رتبته دون ما أنتم فيه ، وعبر بقوله تعالى :
الَّذِي هُوَ أَدْنى
أي أنه في ذاته دان في رتبته ولا يعلو عنها ولا يصل إلى الذي هو خير في ذاته ، وثابت على الخيرية ؛ لا يزيل صفة الخيرية ما تطلبون . والأدنى معناه القريب ، ولما كان القريب سهل التناول ، والبعيد صعب التناول أطلق الأدنى على كل أمر يسهل الحصول عليه وفي العادة لا يكون ذا منزلة .