تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 246

مساهمون:

ص٢٤٦
كان بنو إسرائيل يعيشون مع موسى عليه السلام في معجزات حسية مستمرة ، ولو كانت قوة الدليل وحسيته سببا للإيمان لكان بنو إسرائيل أشد الناس إيمانا وأقواهم يقينا ، ولكن الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلوب الأتقياء فيدركون الحق ، ويذعنون له ، ويطمئنون إليه . وقد أرانا الله تعالى آياته في بني إسرائيل ، فكلما أتاهم بدليل وكلما أتتهم آية كفروا بها ، فلو كانوا يذعنون للحق لأذعنوا لبعض هذه الآيات ، ولكنهم قوم معاندون ، مناقضون الحس . شكوا إلى موسى أنهم لا يجدون الماء الذي يشربونه فاتجه موسى إلى ربه ضارعا يطلب الماء ، ولذا قال تعالى :
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ
. وإذ - كما ذكرنا - دالة على الوقت الماضي ، والمعنى اذكروا ذلك الوقت الذي استسقى فيه موسى لكم ، تذكّروا عطشكم في ذلك الوقت ، وكيف استسقى موسى ربه لأجلكم ، فأمره الله سبحانه وتعالى أن يضرب بعصاه الحجر ، فضرب ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، هي بقدر عدد الأسباط أولاد يعقوب عليه السلام ، وذريتهم من بعدهم ، اذكروا ذلك وتذكروه ، فإنه معجزة من الله تعالى . فكان لكل سبط عينه ، يشرب منها هو ومن معه من سبطه لكيلا يتزاحم على الماء ، فينال الماء القوىّ ، ويضيع الضعيف ، واستسقى ؛ السين والتاء للطلب ، أو السؤال ، والاستسقاء الضراعة إلى الله تعالى أن ينزل الماء ، فهذا الاستسقاء عبادة لأنه دعاء الله تعالى ضارعا إليه أن ينزل عليه الماء ، والدعاء المتضرع عبادة في ذاته ، ولقد كان النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا جف المطر ، وأجدبت الأرض استسقى . . فقد خرج إلى المصلى متواضعا ، متذللا متوسلا متضرعا ودعا ربه أن يسقى المطر ، فنزل مدرارا ، حتى خشي الناس أن يضرّ ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « اللهم حوالينا ، ولا علينا » « 1 » .
هامش
( 1 ) عن أنس بن مالك قال : بينما رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ جاءه رجل فقال : يا رسول اللّه ، قحط المطر ؛ فادع اللّه أن يسقينا . فدعا فمطرنا ، فما كدنا أن نصل إلى منازلنا ، فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة ، قال : فقام ذلك الرّجل أو غيره فقال : يا رسول اللّه ادع اللّه أن يصرفه عنّا . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اللّهمّ حوالينا ولا علينا » قال : فلقد رأيت السّحاب يتقطّع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر أهل المدينة . [ متفق عليه رواه البخاري : كتاب الجمعة ( 959 ) ، ومسلم صلاة الاستسقاء ( 1490 ) ] .
زهرة التفاسير — صفحة 246 | محمد أبو زهرة