تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 226

مساهمون:

ص٢٢٦
يذبح منهم ، وكان يتخذ منهم عمالا مسخرين في الأبنية التي يشيدها ، وكان يسخرهم لحرث الأرض ، والثمرة لغيرهم ليذلهم ، وكان يتخذ منهم خدما في البيوت وهم الأرذلون . وذكر الذبح بالذات ، وهو إحدى وسائل فرعون لسوء العذاب الذي كان يذيقه إياهم لأنه أشدها هولا ، ولأن إفناءهم هو الغاية ، وهو أقرب طرقه ، وهو المصدر لما كانوا عليه من الآلام . وقوله تعالى :
وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ
أي أبقوهن أحياء لم يذبحوهن ، وكانوا راغبين في ذلك ، ولذلك كانت السين والتاء اللتان تدلان على الطلب ، والمعنى طلبوا حياة نسائهم لغايات في نفوسهم وليشبعوا بهن شهواتهم ، وقد بين الله تعالى أن ذلك هول شديد تختبر به نفوسهم ؛ ولذلك قال تعالى :
وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ
الإشارة هنا إلى هذا العذاب الشديد السيئ ، والخطاب لهم ، ولأن الإشارة إلى ما نزل بهم جعل الخطاب لهم لا بالكاف المفردة بل بالكاف وعلامة خطاب الجمع ، وبلاء معناه الاختبار الشديد لتتربى نفوسهم على التحمل ، ولبثّ الرحمة في قلوبهم ، لأنه لا تكون الرحمة إلا بالآلام الشديدة التي يحس بها الشخص فيرحم غيره ، فإنه لا تنبع الرحمة إلا من قلب أحس بالآلام ، وتربى في أحضانها فلا يكون قاسيا على الناس ، ويكون رحيما بهم ، فكان هذا البلاء الفرعونى تربية لنفوسهم لتكون بارة ؛ ولذلك قال :
مِنْ رَبِّكُمْ
أي من الله الذي خلقكم ، وربكم بعنايته وحماكم بكلاءته ، ووصفه سبحانه وتعالى بأنه
عَظِيمٌ
لكبر هوله ، وبعد أثره . وإن الله تعالى مكّن فرعون منهم لكي يعلموا أنهم ليس لهم فضل لذواتهم ، ولكن لما هيأهم الله تعالى لتلقى رسالته ، وتبليغ كلمته ، وهي كلمة التوحيد ، والعمل بالأوامر الإلهية . ولقد بين الله سبحانه وتعالى كيف نجاهم بقدرته الإلهية القاطعة في الدلالة على إخراجهم من ظلمات القهر والطغيان إلى نور العدالة والإيمان ، فقال تعالى :
زهرة التفاسير — صفحة 226 | محمد أبو زهرة