وإن الجزاء الذي بشر به الذين آمنوا وعملوا الصالحات
أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ
الجنات الحدائق التي تشتمل على نخيل وأشجار متكاثفة ، حتى تستر الأرض وتجنها ، فهي جنات ، لأنها تستر ما تظله ، والضمير في تجرى من تحتها الأنهار ، يعود على أشجارها ، وإن لم تذكر باسمها ، فكلمة جنات متضمنة لها ، إذ لا تتحقق الجنات إلا بأشجار متكاثفة ملتفة ، والجريان للماء ، لا للأنهار ؛ لأن الأنهار هي ما يشق في الأرض ليجرى فيه الماء فهو من إطلاق اسم المحل ، وإرادة الحالّ ، مثل قوله تعالى :
فَلْيَدْعُ نادِيَهُ
( 17 ) [ العلق ] ، وإن الناظر إلى الماء وهو يجرى منسابا في الأرض لا يرى النهر ولكن يرى الماء ، فكأن النهر اختفى في الماء ولا يرى غير الماء .
وإن هذه الجنات فيها بهجة للناظرين ، فهي متعة للأنظار ، وبهجة للنفوس بذاتها ، وفيها ثمرات شهية من كل شئ ، وكما قال تعالى في آية أخرى :
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ
( 15 ) [ محمد ] .
وإن الثمرات متشابهة في اللون ، وإن كان الطعم في الذوق متغيرا ، وهي دائمة متجددة ، مستمرة لا تمل ولا تسأم بل فيها المتعة المتجددة ؛ ولذا قال تعالى :
كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ
أي أن هذه الثمرات تجىء إليهم رزقا من الله تعالى من غير جهد يبذلونه ، ولا عمل يعملونه ؛ ولذلك قال تعالى :
رُزِقُوا
وأكده سبحانه بقوله تعالى :
رِزْقاً
أي أنه يجئ بأمر الله وإنعامه رزقا حسنا من غير أن يقوموا بمجهود فيها ، فهي دار الجزاء والنعيم ، فإذا كانوا لم يعملوا في الجنات فهو جزاء وفاق لما سبقوا به من عمل صالح ، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا ، فهو جزاء لمجهود سابق ، وثمرة لإيمان وعمل صالح .