تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
إن يتم له أن ينتفع حتى تنطفئ ، ويذهب الله تعالى بنورهم فلا يبصرون ، وشبههم ثانيا بحال قوم أصابهم صيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق ، من حيث إن ماء الحياة يجئ إليهم ، ولكن لسوء حالهم وفساد قلوبهم تنعكس بين أيديهم الأمور ، فلا يدركون . . إلى آخر ما بين سبحانه وتعالى . وإنه من منهاج الذكر الحكيم ضرب الأمثال تقريبا للأفهام ، وتصويرا للمعاني التي تسمو بها المدارك بالأمور المحسوسة القريبة لكل من عنده لب ، والأمثال تضرب لذي اللب الحكيم ، فيعتبر بها ، ويكون المغيب غير المحسوس كأنه المحسوس الذي يرى ويشاهد ، ولقد ضرب الله الأمثال بالذباب في بديع تكوينه وسر خلقه الذي تعجز العقول عن أن يخلقوا مثله . وشبه الأوثان التي يعبدونها وهي لا تضر ولا تنفع ، ولا تملك من أمرها شيئا بأنها أوهام توهموها ، وأخيلة من القدرة تخيلوها . ولقد قال تعالى في الذباب :
يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ ( 73 ) ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ
( 74 ) [ الحج ] . فهو في هذا المثل بين أنهم لا يستطيعون أن يخلقوا ذبابا ، ولو اجتمعوا له هم وآلهتهم ، وأنهم لا يستطيعون أن يتغلبوا عليه إن سلبهم شيئا . وفي سورة العنكبوت شبه آلهتهم التي يتوهمون فيها سلطانا ، كمثل بيت العنكبوت أي الخيوط التي ينسجها ، فقال تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ
( 41 ) [ العنكبوت ] أكثر الله تعالى من ضرب الأمثال لتقريب المعاني السامية للعقول التي لا تدرك إلا المحسوسات الدانية ، ولكن المعاند الجاحد ، والعاجز الحسود يقلب الحسنات ، ويتهكم على الحقائق الرائعة ، فتكلموا متعجبين مستغربين من
زهرة التفاسير — صفحة 174 | محمد أبو زهرة