وإنه بمقتضى الحكم السليم والمنطق المستقيم أنه إذا عجزوا ذلك العجز الصارخ أن يذعنوا للحق الذي جاءهم ؛ ولذا قال تعالت كلماته :
فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
فإن لم تفعلوا أي لم تأتوا بمثله ، أو ب سورة من مثله ، بعد أن تتضافروا وتتعاونوا ، وتدعوا من استطعتم أن تدعوه ، ومع ذلك تعجزون عن أن تأتوا فاعلموا أن ريبكم لا موضع له ، وأنه شك حيث يجب اليقين ، وعناد حيث يجب التسليم ، وعليكم أن تتخذوا الإيمان وتدخلوا في الإسلام ، وتتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة التي تعبدونها تحقيقا لقوله تعالى :
إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ
( 98 ) [ الأنبياء ] .
فقوله تعالى :
فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
جواب الشرط في ظاهر اللفظ ، وهي تطوى في ثناياها كلاما هو بمنزلة السبب لهذا الجواب ، تقديره :
فإن لم تأتوا بمثله فدعوا عنادكم ، وصدقوا بالحق الذي جاءكم ، وبذلك تتقون النار التي يكون وقودها أنتم والحجارة التي تعبدونها ، وإن جواب الشرط على هذا إنذار بعد ذكر البرهان على الحق .
الوقود هو ما تستعر به النيران وتشتعل ، وذكر الحجارة التي لا تنفع ولا تضر تنديد بهم وبعقولهم التي تعبد ما لا ينفع ولا يضر ، ويضل ولا يهدى .
وقوله تعالى :
وَلَنْ تَفْعَلُوا
جملة معترضة بين الشرط وجوابه ، وهي مسارعة إلى بيان عجزهم ، لأنه من الله ، وجعله الله تعالى فوق قدرة البشر ، وأن الإنس والجن لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله لا يستطيعون ، فكانت هذه الجملة الاعتراضية لتسجيل العجز المطلق ، ونتيجته وهي أن يتقوا النار التي أعدت وهيئت للكافرين الجاحدين المعاندين للحق ، وهذه الآية الكريمة كانت في سورة مدنية ، وهي تدل على استمرار التحدي بالقرآن في المدينة . كما تحدى به في مكة ، وكما يتحدى الأجيال كلها من بعد ذلك .