وقد يقال : إنهم لم يكونوا في ريب من أمره ، بل كانوا جازمين بأنه ليس من عند الله ، بدليل قوله تعالى :
إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
في تكذيبكم ، فنقول في ذلك :
إنهم كانوا جازمين في تكذيب أنه من عند الله تعالى ، ولكن النص القرآني ينبههم إلى أن حالهم في مثل إدراكهم البياني وذوقهم البلاغي ، وكونهم مقاول العرب ، وأهل الفصاحة والبيان والدربة في القول ، ومعرفة موازينه ، وتنبههم الآية الكريمة إلى أن مثلهم في حالهم لا ينبغي أن يجزموا منكرين ، بل يترددوا حتى يصلوا إلى الحقيقة ، في أمر هذا النوع من القول الذي لا ينهد إلى مكانته قول من أقوالهم .
وإن الثابت في سيرة رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أنه كان له أثر في نفوسهم ، وأحسوا بأنه فوق ما يقوله البشر ، فقال بعضهم : « إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر ، وأسفله لمغدق ، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه ، ما يقول هذا بشر » ، وكانوا يتفاهمون فيما بينهم على ألا يسمعوه :
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ
( 26 ) [ فصلت ] فإذا اتفقوا على ذلك ذهب كل واحد منهم سرا إلى حيث يسمعونه ، وكل يظن أنه وحده الذي جاء يستمع إليه ، فإذا هم يلتقون ، وينقضون ما اتفقوا عليه .
ولذلك سموه سحرا ، وسموا النبي صلى اللّه عليه وسلم ساحرا .
ولذلك نقول : إن ذكر القرآن الكريم لهم بأنهم كانوا في ريب منه وخصوصا أهل العلم بالبيان منهم وصف صادق ، فما كانوا مؤمنين به ، وما كانوا منكرين إنكارا قاطعا بأنه ليس من عند الله ؛ ولذلك لم يعرف عن أحد من عقلائهم أنه أراد أن يأتي بمثله ، وإن تنكير الريب دليل على أنه ريب ليس بالقوى ، أو الشديد ، وذلك لكمال وضوح الأدلة الدالة على أنه ليس من طاقة أحد أن يأتي بمثله ، وإن الشك إن كان منهم فليس له محل ولا مسوغ .
ومن في قوله تعالى :
مِمَّا نَزَّلْنا
معناها بيان موضع الشك الذي يثور عندهم ، فيقال في شك من الأمر ، باعتبار أن موضع الشك هو الأمر ، وقوله