تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
جلائل نعمته لأنه هو المخرج ، وهو المنبت ، وهو الذي يربى البذر ، وينتج الثمر ، وتلك أسباب وهو خالق الأسباب والمسببات ، فالمولود لا يولد بنطفة الفحل ، ولكن بخلق الله تعالى ، وجعل سبحانه وتعالى النطفة سبب الوجود . وقال تعالى :
رِزْقاً لَكُمْ
ورزق بمعنى المرزوق ، فهو فعل بمعنى المفعول ، كطحن بمعنى المطحون ، ونقض بمعنى المنقوض ، وتنكير رزق إنما هو للبعضية ، فالثمرات بعض الرزق الذي رزقه الله تعالى ، فالنعم رزق من رزق الله تعالى لعباده ، والفلزات في باطن الأرض من رزق الله تعالى لعباده ، والسمك اللحم الطري من رزق الله تعالى ، واللآلئ في البحار من رزق الله تعالى ، فتنكير
رِزْقاً
في هذه الآية الكريمة التي نذكر معانيها للدلالة على البعضية ، أي أنه بعض ما رزق الله :
وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها . . .
( 18 ) [ النحل ] . وإنه إذا كانت هذه القدرة القاهرة التي خلقت الحاضرين والماضين ومهدت لهم الأرض تمهيدا ، وجعلت لهم السماء سقفا محفوظا ، وأنعمت برزق من زواج السماء بالأرض ، وأخرجت لهم منها بعض رزق الله ، وهو كثير ، فهو وحده المستحق للعبادة وحده ، إذ لا قدرة لبشر ولا لحجر أن ينشئ خلقا أو يرزق رزقا ؛ إذ لا ينفع ولا يضر ؛ ولذا قال تعالى بعد هذه النعم في الخلق والتكوين :
فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
الجعل هنا هو الاتخاذ ، والند هو المثل الذي يفرض فيه أنه مماثل مناوئ ، كما تقول فلان ند لفلان أي مثل مناوئ كفء له . وهؤلاء المشركون مع إيمانهم بأن الله خالق كل شئ ، ومجرى النعم ، ومنزل السحاب ، مع علمهم بذلك يتخذون الأنداد ويشركون بها ، يعبدونها مع الله سبحانه وتعالى وكأنها ند لله تعالى في زعمهم ، وإنهم يفعلون ذلك ، وهم يعلمون ، أي هم يعلمون أن الله وحده هو خالق كل شيء ، وأنه منزل النعم ، وأنهم لا يستجيرون إلا به أو نقول :
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
أنهم من أهل المعرفة والإدراك ، والفهم والذكاء ، ولا يليق بذكائهم أن يجعلوا المخلوق كالخالق ، ومن لا يضر ولا ينفع كمن يملك الضر والنفع ، أو إنهم يعقلون ويدركون ، فذلك حث لهم على الإيمان بإثارة علمهم وعقلهم وتفكيرهم .