تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
هذه الآيات التي نتكلم متسامين إلى معانيها هي مما تحدى القرآن الكريم بها العرب بعد أن ذكر قدرة الله ونعمه التي تثبت وحدانيته في العبودية . هذه الآيات من التحدي الشامخ التي أثبت عجزهم . قال تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا
ذكر سبحانه وتعالى احتمال أن يكونوا في ريب من أن القرآن من عند الله ، وأنه الدلالة الدالة على نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، فقال :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
عبر سبحانه بأداة الشرط التي لا تدل على وقوع الريب قطعا ك « إذ » ؛ لأن التعبير ب « إن » يدل على الشك في فعل الشرط ، لا على تحققه للإشارة - إلى أنهم لو كانوا في شك من أمر القرآن حقيقة ، وأنهم يستطيعون أن يأتوا بمثله ، كما كانوا يقولون
لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا . . .
( 31 ) [ الأنفال ] ما كان ذلك مبنيا على تفكير سليم ، إذ إن أي تدبر وتفكير في معانيه يزيل كل ريب ، ويوجه إلى الحقيقة توجيها مستقيما ، لا مجال فيه لأي ريب أو أي شك . وهنا يسأل سائل : لقد وصف القرآن الكريم في أول ال سورة بأنه لا ريب فيه ، فكيف يتصور أن يكون ثمة ريب فيه ؟ . ونقول في الجواب عن ذلك : إن الريب منهم لا منه في ذاته ، فهو في ذاته يعلو عن الريب ، لأنه يعلو عن المثل والشبيه في تساوق ألفاظه ومعانيه ، وجمال فواصله ، ورنة نغمه ، وحلاوة موسيقاه ، وكل ما اشتمل عليه مما أدهش المشركين ، وحاروا ، ولم يجدوا محيصا من الإذعان والسكوت والانتقال من العجز الذليل إلى الاضطهاد والإيذاء . وقوله تعالى :
وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ
بالتعبير بكان المصورة لما وقع منهم ، إشارة إلى أنه لا ريب فيه لذاته ، وإنما الريب من عقولهم المنحرفة . ونفوسهم الوثنية ، التي استهوتها الأحجار فعبدتها . فالشك منهم ، والقرآن أعلى من ذلك ، ولا ريب فيه ، وفي أنه من العزيز الحكيم ، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .