فهو خلق السابقين ، وأماتهم ثانيا ، وللإشارة إلى أن الحاضرين ليسوا مخلدين ، فهم سيموتون ، كما مات من سبقوهم وسيبعثون جميعا يوم الدين ، ولأن العرب كانوا يعتزون بأسلافهم فالله سبحانه وتعالى يبين أنه هو وحده الذي خلق أسلافهم ، سواء كانوا ضالين أم كانوا مهتدين . وإن صفة الربوبية وصفة الخلق والتكوين للكون كله ، ولمن حضر من الناس ، ومن سبقوهم وقبروا في مقابرهم ، تقتضى ألا يعبد سواه ، ولا يحمد غيره ، ولا يستحق الألوهية الحق غيره ، فهو الله الواحد الأحد .
وقوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
متصل بقوله تعالى :
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ
أي اعبدوه رجاء أن تتقوا بأن تقوا أنفسكم شر عذابه ، وتكونوا في أمن من عقابه ، و « لعل » الدالة على الرجاء ، الرجاء فيها من العباد ، والمعنى اعبدوا فالعبادة طريق التقوى ومعها رجاؤها ، وتحقيقها ، ويقولون إن التقوى أقصى درجات العبادة ، لأن تغليب الخوف عبادة ، ورجاء النجاة عبادة .
وقد يقال إن قوله تعالى :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
متصلة بقوله تعالى :
خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
ومثل قوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
( 56 ) [ الذاريات ] والمعنى أن الله تعالى خلق الناس في ماضيهم وحاضرهم وقابلهم رجاء أن يعبدوه أبلغ العبادة بالتقوى وامتلاء النفس بهيبته ، والاعتزاز بعزته .
وإن الله تعالى عالم بكل شئ فليس يجوز عليه الرجاء ؛ لأنه يحتمل الوقوع وعدم الوقوع ، والرجاء لا يجوز أن يكون من أحوال الله تعالى ، بل هو من أحوال الخلق .
ولذلك قرروا أن ( لعل ) هنا مجازية أي أنها ذكرت على سبيل المجاز ، أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ، وجعل لهم سمعا وأبصارا وأفئدة وقدرة وقوة بها يختارون ويفعلون ، لا يقع شيء من أفعالهم الاختيارية إلا بإرادتهم ، يدركون الأمور ويتخيرون ويعرفون أسبابها ونتائجها ، فحالهم حال من يرجو أن يتجهوا نحو العبادة