يبتغونها ، فالرجاء من حالهم ، والله تعالى لا يرجو ، ولا يتصور منه ، إنما يتصور منه العلم ، ووقوع الأمر كما علم ، وكما قدر .
وعندي أن الاتصال بين رجاء التقوى والأمر بالعبادة أظهر وأوضح ، ولا إشكال فيه .
وقد بين سبحانه بعد ذلك بديع التكوين ، والنعم التي ينعم بها العباد ، فقال تعالت كلماته :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً
جعل تستعمل بمعنى صير ، وتستعمل بمعنى خلق ، كما قال الله تعالى :
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ
( 103 ) [ المائدة ] ، وقوله تعالى :
وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ . . .
( 1 ) [ الأنعام ] وتأتى بمعنى سمّى ، كما في قوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً . . .
( 19 ) [ الزخرف ] وتأتى بمعنى أخذ واتخذ .
وجعل هنا بمعنى صيّر لأنها ذات مفعولين ، الأول
الْأَرْضَ
والثاني
فِراشاً
، والمعنى جعل الله تعالى الأرض ممهدة معبدة كأنها فراش يستقر عليه الإنسان ، ويجد فيها مقاما ثابتا ، وإذا كان فيها نتوء كالجبال فقد جعلها الله تعالى مثبتا لذلك الفراش ، ولذلك قال تعالى :
أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً ( 6 ) وَالْجِبالَ أَوْتاداً
( 7 ) [ النبأ ] وقد وصفت الأرض بأن الله تعالى جعلها مهادا ، ووصفت بأنه جعلها بساطا ، فهي ممهدة كالفراش وكالبساط ، وتلك نعمة من الله تعالى لتسهل الإقامة عليها ، والانتقال بين آفاقها ، والهجرة بين أجزائها ، وهي للإنسان كالعرصة « 1 » في مسكنه ، وكون الأرض فراشا لا ينافي أنها كرة تدور حول الشمس ، فإنها لعظمها وانبساطها تعد فراشا أو كالفراش ، ولا يحس بأنها كرة إلا من تتبع الليل والنهار والشمس والقمر ، والسير فيها من المشرق إلى المغرب ، ومن الشمال إلى الجنوب ، وما يقرره العلم الاستقرائى المتتبع لما خلق الله سبحانه وتعالى .
هامش
( 1 ) العرصة : كل بقعة بين الدّور واسعة ليس فيها بناء والجمع : عراص ، وعرصات ، وأعراص . [ القاموس المحيط - فصل العين - باب : عرص ] .