تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
مصنعه والزارع في مزرعته إذا قصد بعمله نفع الناس ووجه الله تعالى ، فهو في عبادة ، فالعبادة تعم كل أفعال الإنسان ، واختصت من بينها الفرائض ، لأنها لا يمكن أن تكون إلا لله تعالى ، وهو عليم بذات الصدور . وقد وصف الله - سبحانه وتعالى - ذاته العلية بصفات تدعو إلى العبادة ، من له قلب يخشع ، وعقل يخضع ، فوصفه أولا بأنه الرب الأوحد ، فقال
رَبَّكُمُ
أي رباكم ونماكم ، أو وربكم : تولاكم ، وكلأكم بالليل والنهار ، ويتبع حياتكم ، فيرعاكم حق الرعاية في كل أجزاء جسمكم ، ونفوسكم وعقولكم ، ولا تخفى عليه خافية من أموركم ، وهو بهذه الربوبية يستحق أن تعبدوه وحده ، لا شريك له ؛ لأنه لا أحد سواه يربكم . ووصفه ثانيا بأنه
الَّذِي خَلَقَكُمْ
والخلق معناه الإنشاء والإبداع والتقدير والتصوير ، صوركم ، فأحسن صوركم ، والعرب كانوا يعرفون الله تعالى ، وأنه وحده الذي خلقهم ، كما حكى الله تعالى عنهم :
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ . . .
( 25 ) [ لقمان ] وكانوا يقولون :
ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى . . .
( 3 ) [ الزمر ] . فهم يؤمنون بوحدة الخالق المنشئ المكون ، ويؤمنون بوحدة الذات والصفات ، وإشراكهم كان إشراك العبودية ، فهم يعبدون مع الله غيره آلهة أخرى ، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا . ووصفه ثالثا بأنه خلق الذين من قبلهم ، وقد يسأل سائل : لما ذا كان هذا الوصف ، والسابق يتضمنه ، فمن خلق جيلا فإنه يخلق الأجيال كلها : من مضى ، ومن حضر ، ومن يجئ بعد ذلك من الأخلاف ؟ والجواب على ذلك أنه لا يغنى المتضمن عن الصريح ، وذكر الجيل السابق ، أو الأجيال السالفة للإشارة أولا إلى عموم قدرته ، وإلى أنه قادر على الإحياء والإماتة