هذه الآيات الكريمات تدعو إلى عبادة الله تعالى وحده ، وتذكر أنه خالق من في الوجود ، وأنه ربه الذي يربّه وأنعم عليه بالنعم ، وهذا يبين أن الكافرين والمنافقين على باطل ، وأن أهل الحق وحدهم هم الذين يسلكون الصراط المستقيم .
يا أَيُّهَا النَّاسُ
قال بعض العلماء : إن الخطاب ب
« يا أَيُّهَا النَّاسُ * »
يكون لأهل مكة ، وخطاب
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » *
يكون للمؤمنين بعد الهجرة ، ونرى أن هذا التخصيص ليس محكما دقيقا ، فهذه سورة البقرة مدنية ، وأهل الإيمان قد قاموا واستقروا ، وأهل الشرك لا يزالون قائمين بمكة .
وفوق ذلك جاء الخطاب ب «
يا أَيُّهَا النَّاسُ
» في سورة النساء ، وهي مدنية فقد قال تعالى فيها :
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
( 170 ) [ النساء ] ؛ ولذلك نرى أن ذلك الاستقراء غير كامل ، والأقرب أن نقول إنه إذا كان ب
« يا أَيُّهَا النَّاسُ »
فإنه يعم المؤمنين والكافرين ؛ لأنه يكون متضمنا خطابا للكافة ، ويكون المطلوب فيه إجابة الدعوة المحمدية بالتوحيد ، مع ذكر البرهان العام الدال على التوحيد وصدق الرسول صلى اللّه عليه وسلم . أما النداء ب
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا »
فإنه يكون متجها إلى بيان الأحكام التكليفية : نهيا أو طلبا ، أو إباحة بنص شرعي ، وسواء أكان التكليف يتعلق بالأسرة أم بالعلاقات الدولية ، أم كان بالتحريض على الجهاد .
يا أَيُّهَا النَّاسُ
قالوا إن النداء ب « يا » يكون للبعيد ، والنداء ب « أي » يكون للقريب ، وهنا النداء ب « يا » و « أي » معا ، ثم يزاد عليها ها التي تفيد التنبيه ، وينادى للبعيد حسّا ب « يا » ، وللبعيد معنويا بها أيضا ، والنداء من الله تعالى لعبيده نداء من أعلى من في الوجود إلى خلقه ؛ ولذا كان النداء بأداتى نداء ، وهما « يا » و « أي » ، ويضاف إليهما ، فهو منه عزّ وجل إلى الخلق جدير بأن يكون بأعلى الصيغ ، لبعد ما بين الكون وخالقه في المنزلة ، وفوق أن هذا النداء من الخالق ، وهذا يقتضى أعلى