تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
كما قال تعالى :
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 78 ) [ النحل ] . ثم ذيّل سبحانه وتعالى الآيات الكريمات بكمال قدرته ، فقال تعالت كلماته :
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
وذلك التذييل لتأكيد قدرة الله تعالى على إذهاب سمعهم وأبصارهم ، وكل قواهم ، وقد أكد سبحانه قدرته القاهرة فوق عباده بعدة مؤكدات : بالجملة الاسمية أولا ، وب « إنّ » ثانيا ، وبذكر لفظ الجلالة الذي يدل على أنه مالك الوجود ، ومالك كل موجود ، وعموم قدرته على الأشياء كلها
إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ
( 51 ) [ الشورى ] . وهذه الأخبار كلها - من نزول الصيّب المنهمر انهمارا ، والظلمات المتكاثفة والرعد والبرق ، وكون الأبصار يكاد سبحانه وتعالى يخطفها ، أهي مجاز لأمور معنوية ؟ ، أم هي حقائق وليست مجازا ؟ ونقول إن هناك استعارة تمثيلية في جملة القول ، ولا مانع أن تكون في كل جملة مجازا ، ويتكون من هذه المجازات الصورة التمثيلية الكبرى . ويميل إلى ذلك أكثر المفسرين ، يقول الفراء في قوله تعالى :
كُلَّما أَضاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ
: أنهم كانوا كلما سمعوا القرآن ، وظهرت لهم الحجج أنسوا ومشوا معه ، فإذا نزّل من القرآن ما يعمون فيه ، ويضلون به ، أو يكلّفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم . وروى عن ابن عباس « المعنى أنه كلما صلحت أحوالهم في زروعهم ومواشيهم ، وتوالت عليهم النعم قالوا دين محمد دين مبارك » . وكذلك يفسر الصيب بالقرآن حياة الأرواح ، والظلمات والرعد والبرق بما يكرهون به أنفسهم مما يحسبونه شرا عليهم من نصر للمؤمنين ، وتمكين للإيمان ، وهكذا . وإن الحق هو أن المثل كله استعارة تمثيلية ، أو تشبيه تمثيلى ، فقد شبهت حالهم من أن القرآن ينزل في المؤمنين وهم جيرانهم ومعاشروهم ، وفيه ماء الحياة الذي