النفاق في النفس من حيث إنه يسد الإدراك ، فيصبح العقل لا يدرك والنفس لا تتكشف ، بحال من لا يبصرون
فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ
( 46 ) [ الحج ] هذا تشبيه إفرادى ، إنه استعارة في أجزاء القول ، لا في جملته .
والاستعارة التمثيلية في جملة القول أنه شبه حال المنافقين في أن أسباب النور بين أيديهم ، وتحيط بهم ، ولكنهم لا ينتفعون بها - بحال قوم أو فوج من الناس استوقدوا نارا ، وعالجوها حتى أضاءت فلما أضاءت ، ما حولهم لم ينتفعوا بها فخمدت ، فذهب الله تعالى بنورهم فهم في ظلمات متكاثفة بنفاقهم لا يبصرون .
وفي النص عبارات بلاغية يجب الإشارة إليها :
أولها - أنهم جماعة ، والمفروض أنهم استوقدوا النار جميعا ، أو بتعاونهم ، ولكنه عبر بالمفرد ، فقال تعالت كلماته :
كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً
فعبر بالمفرد ، قالوا إنه مفرد أريد به الجمع ، وعبر بالمفرد لثلاثة وجوه :
( أ ) أن الموصول العبرة فيه بالصلة لا بلفظه ومن ذلك قوله تعالى :
وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا . . .
( 69 ) [ التوبة ] .
( ب ) وأن الحقيقة أن الذي استوقد هو بعضهم أو فوج منهم ، وإن كانت الإضاءة للجميع ، والنفع بالضوء للجميع لا للذي استضاء وحده ؛ ولذلك كان التعبير بالجمع في حال الانتفاع ، إذ قال فلما أضاء لهم ، وبعضهم قد استوقد النار والجميع يستفيد من النور ، إذ هو يشيع ويعم ، ولا يخص من استقاد النار .
( ج ) أن المشبه به في الآية ليس هو الذي استوقد ، إنما المشبه به هو الحال التي كان فيها الاستيقاد أولا ثم خمود النيران ، وسيرهم في ضلال ، فعبر بالذي كما في قوله تعالى :
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ