الهدى والضلال في سوق الخير والفضيلة ، إنهما لا يستويان . شبه الله تعالى أولئك المنافقين بحال التاجر الذي يطلب الكاسد يقدم في سبيله الرابح ، وهنا يصح أن يكون تخريج الكلام بتشبيه إفرادى ، أو استعارة تمثيلية ، وعلى الاستعارة الإفرادية يكون تشبيه الضلالة التي يطلبونها بالبضائع المزجاة المردودة الكاسدة ، والهدى بالبضاعة الرائجة المطلوبة غير البائرة ، وبهذه الاستعارة يكون المعنى أنهم يتركون الطيب المطلوب ، ويأخذون بدله الردىء ، المردود ، فهم الخاسرون لا محالة ؛ لأنهم يأخذون شيئا لا خير فيه ، وفيه فساد كبير ، ويقدمون في سبيله أمرا كله خير ونور .
وإذا خرّجنا على أنها استعارة تمثيلية ، فيكون المعنى تشبيه حال رجل في يده هدى ونور وخير وفضل ، يتركه ليستبدل به شيئا لا خير فيه ، وفيه فساد وضرر ، بحال تاجر يترك البضاعة الرائجة المثمرة إلى بضاعة كاسدة لا ثمرة فيها .
وقد رشح الله في بيان كتابه بأن ذكر ما يقوى الاستعارة بذكر أوصاف للمشبّه ، فقال :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
أي أنهم في هذه المبادلة المعنوية خاسرون ، وليسوا كاسبين لأنهم خسروا الخير وأخذوا الشر ، وأي كسب فيها ؟ ! ونسب الربح إلى التجارة ، وهي محل التصرف ، وذلك تعبير بليغ كقولك : نهار صائم وليل قائم ، وذلك من قبل المبالغة في الصوم والمبالغة في الصلاة ، وإنما قوله :
فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ
مبالغة في نفى الربح وثبوت الخسارة ، لمن ترك الهداية وأخذ الضلال .
وقد أكد سبحانه ضلالهم ، ونفى الهداية عنهم كنتيجة لهذه المبادلة الخاسرة فقال :
وَما كانُوا مُهْتَدِينَ
لأن نفوسهم أركست ذلك الإركاس ، وفسدت ذلك الفساد ، ما كان من شأنهم أن يهتدوا أبدا ، فنفى عنهم الاهتداء نفيا مؤكدا بالجملة الاسمية ، وبكلمة كانوا الدالة على الدوام والاستمرار ، فليس من شأن من كانت هذه الحال حاله أن يهتدى أبدا ، لأن الشر قد استمكن من نفسه وأظلمت واربادّت بالضلالة حتى إنه لا منفذ لنور يدخلها أبدا .