تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
أهل

[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 16 إلى 18 ]

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ ( 16 ) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ( 17 ) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ ( 18 ) المنافقون الذين جاوروا النبي صلى اللّه عليه وسلم في المدينة ، سواء أكانوا من المشركين أم كانوا من اليهود ، وقد كانت عدوى الأخلاق بينهم . . أولئك المنافقون كانوا يحضرون مجالس النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ونور الحق يشع بينهم ، فيرون مطالعه ، ويدركون مشارفه ، فأسباب الهداية بين أيديهم يرونها عيانا ، ويسمعونها بيانا ، والفطرة تحثهم ، وترشدهم ، والحق لا تخفى منه خافية ، فعندهم العلم أو أسبابه ، ولكنهم مع ذلك يتركون النور الهادي إلى الظلام الدامس ، يتركون الحق الأبلج ، وهو بين أيديهم ، وعن أيمانهم ، وعن شمائلهم ، يتركون ذلك إلى الضلالة ، فهم قد استحبوا العمى على الهدى ؛ ولذلك قال الله تبارك وتعالى :
أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى
الإشارة هنا إلى المنافقين الذين ذكرت أوصافهم ، والإشارة إلى المعرّف بالوصف هي إشارة إلى الأوصاف ، وقد حملوها ، وبذلك تكون الأوصاف هي علة الحكم ، وسببه ، إنهم بإخفائهم الكفر ، وإعلانهم الإيمان ، وإفسادهم في الأرض ، وهم يزعمون إصلاحها ، وما فيهم من مرض النفاق الذي يعمى ويصم . وظنهم أنهم أهل الكمال ، وأن غيرهم أهل السفه والخسران . إنهم بهذه الأوصاف التي اختاروها ، والأحوال التي كانوا عليها مع رؤيتهم النور والهدى ، وتركهم إياه كمن يشترى الضلال بثمن هو أعلى الأثمان ، وهو الهدى يدفعونه في سبيل أن ينالوا أقبح ما في الوجود وهو الضلال ، وهل يستوى
زهرة التفاسير — صفحة 139 | محمد أبو زهرة