تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهرة التفاسير — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ولم يؤكدوا للمؤمنين ادعاءهم الإيمان ؛ لأنهم قالوا قولا لم يصدر عن قلوبهم ، وإن تلوّت به ألسنتهم ، ولم يسكن الإيمان قلوبهم ، فهو قول باللسان ، ولم يذكروا تفصيل الإيمان ، فلم يقولوا آمنا بالله ورسوله ، والكتاب الذي جاء به وباليوم الآخر ، إلى آخر ما يشتمل عليه الإيمان ، لأنهم لا يريدون حقيقة الإيمان ، ولكن يريدون أن يثيروا قولا يسترون به كفرهم المستكن في قلوبهم . وقوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا
ليس تكرارا لقوله تعالى :
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . .
( 8 ) [ البقرة ] لأن الآيات الأولى في التعريف بالصنف الذي يقابل أهل الإيمان الحقيقي ، وأهل الكفر ، أما هذه فهي لبيان أحوال تلك الطائفة ، وكيف يقولون ما لا يفعلون ، ويظهرون ما لا يبطنون ، فالأولى حكم عام ، والأخيرة بيان لبعض أحوالهم . وإن أولئك المنافقين عندما يلاقون شياطينهم لا يذكرون المعوية فقط بقولهم :
إِنَّا مَعَكُمْ
بل يفسرون معنى كلامهم للمؤمنين ، وقولهم : آمنا . وكأن سائلا منهم سأل : لما ذا قلتم ما قلتم فقالوا :
إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ
الاستهزاء السخرية والتعابث ، يقال : هزئ به واستهزأ ، أي سخر منه ، وتعابث بالقول معه . وقد أكدوا الحكم بأنهم يستهزءون - بالجملة الاسمية ، وب « إنّ » الدالة على التوكيد ، وبذكر « نحن » لتأكيد الحكم باستهزائهم ، وذكر ب « إنما » الدالة على القصر ، والمعنى : إننا في عملنا هذا نستهزئ ، فهم يقصرون أنفسهم على الاستهزاء قصرا إضافيا . وإن الحكم بأنهم مستهزءون يتضمن الحكم بأنهم لا يؤمنون ؛ لأن من يؤمن بشيء لا يستهزئ به ؛ فهم تجاوزوا حد الكفر إلى أبعد منه ، هو الاستهزاء بالمؤمنين والسخرية منهم ، وأصل الباب الهزء ، بمعنى الخفة .