وكلما ابتغوا الفتنة ردت إليهم وتكاثر شرهم ، والبراءة منهم ، حتى أن أهل كل بيت فيه منافق استأذنوا النبي صلى اللّه عليه وسلم في قتله ، حتى كانوا موضع السخرية وأحسوا بها في ذات أنفسهم ، حتى برموا من أعمالهم ، وإن كانوا قد استمروا في غيهم .
ولكن لم ينزل بهم عقابهم في الدنيا ، وذلك لحكمة أرادها ، ولمصلحة تغياها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وهي ألا يقتلهم حتى لا يقال بين الأعراب وغيرهم إن محمدا يقتل أصحابه « 1 » .
وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ
المدّ هو زيادة المدة في حياتهم بأن يمهلهم الله ثم يأخذهم أخذ عزيز ، كما قال تعالى :
نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً . . .
( 178 ) [ آل عمران ] والطغيان : الكفر والضلال ، وأصله تجاوز الحد ، والطغيان هنا الكفر مع الإسراف فيه ، والنفاق بلا ريب إسراف في الكفر .
والزمخشري يفسر « مدّ » لا بمعنى زيادة المدة ، بل بمعنى زاده ، وألحق به ما يقويه ويكثره مثل قوله تعالى :
وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا
( 79 ) [ مريم ] ، ولقد قرئ : ( ويمدّهم ) بضم الياء ، وهي من المدد لا محالة .
وقول الزمخشري : في ذلك حجة ونرجحه على غيره .
والمعنى على ذلك ، أنهم مغرورون مخدوعون ، يعطيهم الله سبحانه من مدد الغرور في طغيانهم ، وبيان الحق وتركه ما يزيدهم في حيرتهم واضطرابهم واستمرارهم في أسباب السخرية منهم ؛ ولذلك قال إنهم بهذا المدد
يَعْمَهُونَ
، والعمة مثل العمى ، إلا أن العمى يكون في البصر والرأي ، أما العمة فإنه يكون في الرأي بمعنى الحيرة ، فمعنى يعمهون يتحيرون ، فهم في حيرة دائمة مستمرة . . زاد الله المنافقين في كل العصور عمى ، وزادهم عمها . . !
هامش
( 1 ) متفق عليه ؛ أخرجه البخاري : كتاب المناقب - باب : ما ينهى من دعوة الجاهلية ( 3257 ) ، ومسلم : كتاب البر والصلة - باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ( 4682 ) ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه .