وحولت العصا إلى أفعى تبتلع كل تلك العصي والحبال . وبعد أن ظهرت المعجزة الإلهية على يد موسى عليه السّلام ، أعاد اللّه تعالى عصاه إلى سابق عهدها من الخشب . وهذا ما جعل السحرة يؤمنون على الفور برب موسى ، ويتخلّون عن السحر ، ويعصون أوامر فرعون . .
أما الخدعة التي استعملها السحرة في ذلك اليوم فهي أنهم استعملوا مادة الزئبق في طلي الحبال والعصي - كما يقول المفسرون - أو ربما صنعوا عصيا وحبالا شفافة وأدخلوا فيها مادة الزئبق ، حتى إذا نشروها جرى تمدد الزئبق بفعل حرارة الشمس ، وصار يتحرك تحت تأثير هذه الحرارة ، فخيل للناظرين أن تلك العصي والحبال - التي ربما يكونون قد صنعوها على شكل الأفاعي أيضا - أنها حيات تسعى .
وهكذا تمت الحيلة على أعين الناس . ولكن اللّه عز وجلّ نصر نبيه موسى عليه السّلام عندما أودع في عصاه الجامدة حياة وحوّلها إلى أفعى حقيقيّة تلقف حبالهم ، وتلقف كل ما أتوا به من تزوير وخداع وتضليل . .
ويؤكد القرآن الكريم بطلان السحر وعدم فعاليته ، وبأنه صرف عن الحقيقة ليس إلّا ، بقول اللّه تعالى :
فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ
« 1 » أي خدعوها وصرفوها عن الواقع المحسوس ، وقوله عز وجل :
فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى
( 66 ) « 2 » ، أي من قوة تضليلهم وتمويههم وقدرتهم على التأثير على أعين الناس جعلوا الرائي يتوهم ويرى غير الحقيقة والواقع . .
وليس أدلّ على كذب الساحر أيضا من عجزه عن تحويل أي شيء عما خلقه اللّه تعالى عليه . فهل رأيت ساحرا يوما يسلب النار خاصية الإحراق ، أو يسلب السكين أو السيف قوة القطع ، أو يحوّل
هامش
( 1 ) سورة الأعراف ، الآية : 116 .
( 2 ) سورة طه ، الآية : 66 .