يجعل كل أشعارهم كذبا بكذب ، وخيالا بخيال ، لا يلامس حقائق الحياة . إنك ترى الشاعر يتصوّر نفسه وكأنه رقي في السماء ، وسبح في الغيوم ، وطال النجوم بيديه ، بينما هو في حقيقته ، لا يعدو هذا الكائن البشري العاجز ، القاصر ، الضعيف ، الذي يلتصق بتراب الأرض . فكيف لا يكون ما يقوله كذبا صراحا يستدعي ذمّه ، هو ومن يتبعه ، ويسير على نهجه في خداع نفسه ، وتكاذبه على الخلق ؟ .
ولكن ليس كل الشعراء مذمومين فأما
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً
فهؤلاء المؤمنون لم يشغلهم الشعر عن العمل الصالح والتعبد إلى اللّه تعالى . إنّ شعراء النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد انتصروا لدعوة الإسلام ولحامل الدعوة ، بعد أن ذاق صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأصحابه في مكة مرّ العذاب والهوان . . هؤلاء الشعراء ، وقد اتخذوا سبيل الرشاد ، انبروا للدفاع عن الإسلام ، بهجاء الكفار وإغاظتهم . وكان منهم حسان بن ثابت ، وكعب بن مالك وعبد اللّه بن رواحة ، الذين ناصروا الحق ، وانتصروا بالحق بعد الظلم الذي وقع على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمسلمين . .
وقد أثنى عليهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وأكرمهم ، كما فعل عندما أعطى كعب بن زهير ، بردة كانت عليه ، لما أنشده لاميته المعروفة : « بانت سعاد . . » .
ولذلك يكون حكم الشعر ، كحكم الموسيقى والغناء ، بل وسائر الكلام في حظره وإباحته ، وكراهيته واستحبابه : فحسنه كحسنه ، وقبيحة كقبيحه . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إن من الشعر لحكمة » « 1 » ، كما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « الشعر بمنزلة الكلام : حسنه كحسن الكلام وقبيحة كقبيح الكلام » .
وخلاصة القول : إن كل ما يصدّ عن ذكر اللّه تعالى ، ويلهي عن
هامش
( 1 ) رواه أحمد وأبو داود عن ابن عباس بلفظ « إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما » .