النواميس ، والسنن ، ويجعل الجبال والطير تسبّح مع داوود عليه السّلام ليدلنا على أن هباته وعطاياه سبحانه هي للحق ، والخير ، والمتعة الرفيعة .
نستدلّ من كل ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى لم يحرم الغناء ولا الموسيقى تحريما قاطعا في جميع الحالات ، بل إنه سبحانه خلق الأنغام والألحان لتتجاوب أصداؤها في جنبات الكون ، الذي يتحرك بانتظامه وإيقاعه ، وتناغمه وتجانسه ، ليكون الشاهد الأكبر على قدرة اللّه تعالى في خلقه وحكمة صنعه .
هكذا يجب أن نفهم الغناء والموسيقى على أنهما من عطاء اللّه تعالى . وهذه المنظومات من الأصوات والمشاعر يجب أن تتوافق مع تكامل النواميس الربانية ، وثبات السنن الإلهية . ثمّ ألسنا نسمع في خرير المياه أنغاما ، وفي حفيف الأشجار أنغاما ، وفي أصوات الطيور أنغاما . . فكيف نقول إن اللّه سبحانه وتعالى قد حرّم الألحان والموسيقى وقد خلقها عزّ وجلّ في مختلف جوانب هذه الحياة التي نحياها ؟ . ثم أليست تلك الأنغام مثل هذه الألوان للثمرات والجبال والناس والحيوان في اختلافها وتنوعها ، كما يدل عليه قوله تبارك وتعالى :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ ( 27 ) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ
( 28 ) « 1 » .
ومن يدقق في هذه النصوص القرآنية البديعة يجد بوضوح كيف أن عنصر الجمال يبدو مقصودا في تصميم السماوات والأرض وتنسيقهما . فالتعبير عن الألوان يدل على التنوع في الخلق من إنسان وحيوان وجماد ، وهو يجمع بين الأحياء والجمادات ليكتمل المعرض
هامش
( 1 ) سورة فاطر ، الآية : 27 و 28 .