تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 900

مساهمون:

ص٩٠٠
بالنصّ . وبهذا البيان ومثله يذهب تزاحم الأدلّة . فالمقدرة على فهم الأدلّة السّمعيّة وعلى الموازنة بينها شرط أساسيّ . وعليه فلا بدّ أن يكون المجتهد المطلق عارفا بمدارك الأحكام الشرعيّة وأقسامها ، وطرق إثباتها ، ووجوه دلالتها على مدلولاتها ، واختلاف مراتبها ، والشروط المعتبرة فيها . وعليه أن يعرف جهات ترجيحها عند تعارضها . وهذا يوجب عليه أن يكون عارفا بالرّواة وطرق الجرح والتعديل ، وأن يكون عارفا بأسباب النزول والناسخ والمنسوخ في النصوص . وأمّا معرفة وجوه دلالة اللّفظ فمعناها أن يكون ملما بعلوم اللغة العربيّة ليتمكّن من معرفة معاني الألفاظ ، ووجوه بلاغتها ودلالتها ، حتى يرجّح رواية الثّقات وما يقوله أهل اللغة . فلا يكفي أن يعرف من القاموس أو المعجم أنّ القروء مثلا تدلّ على الطّهر والحيض ، وأنّ النكاح يدلّ على الوطء والعقد . بل لا بدّ من معرفة اللغة العربيّة بشكل عامّ من نحو وصرف وبلاغة وبيان وغير ذلك ، معرفة تمكّنه من الوقوف على وجوه دلالة اللّفظ الواحد والجملة الواحدة حسب لسان العرب واستعمال البلغاء ، وتمكّنه من المراجعة في كتب العربيّة وفهم ما يحتاج إلى فهمه منها . ولا يعني ذلك أن يكون مجتهدا في كلّ فرع من فروع اللّغة ، بل يكفي أن يكون عالما بأسلوب اللّغة بحيث يميّز بين دلالة الألفاظ والجمل والأساليب ، كالمطابقة والتضمين والحقيقة والمجاز والكناية والمشترك والمترادف ، وما شاكل ذلك . وبالجملة فإنّ درجة الاجتهاد المطلق لا تحصل إلّا لمن اتّصف بفهمه مقاصد الشريعة في الكتاب والسنة ، لفهم الأدلّة السمعيّة أولا ، وفهمه اللغة العربية ومدلولات ألفاظها ، وجملها وأساليبها ثانيا .