الحديث . وعندئذ قلّ عدد المجتهدين ، وصار المجتهد يسير باجتهاده على قواعد معيّنة ، يصل منها إلى استنباطات معيّنة ، تخالف قواعد غيره . وتكوّنت هذه القواعد عنده ، إمّا من كثرة ممارسته لاستنباط الأحكام من النصوص ، وإمّا لاتباع قواعد معيّنة تمّ الاستنباط بحسبها .
فنتج عن ذلك أن صار المجتهد مجتهدا في طريقة معيّنة لفهم النصوص الشرعيّة ، ومجتهدا في أخذ الحكم الشرعيّ من النصوص الشرعيّة . وصار بعض المجتهدين يقلّدون شخصا في طريقته في الاجتهاد ، ولكنهم لا يقلّدونه في الأحكام ، بل يستنبطونها بأنفسهم على طريقة ذلك الشخص . وصار بعض المسلمين ملمّين بشيء من المعارف الشرعيّة في مسائل معيّنة تعرض لهم ، لا في جميع المسائل .
فكان بذلك ثلاثة أنواع من المجتهدين :
مجتهد مطلق .
ومجتهد مذهب .
ومجتهد مسألة ، أو مجتهد مجتزىء .
فالمجتهد المطلق له شروط ، أهمّها اثنان :
- أحدهما معرفة الأدلّة السمعيّة التي تنتزع منها القواعد والأحكام .
- ثانيهما معرفة وجوه دلالة اللّفظة المعتدّ بها في لسان العرب واستعمال البلغاء .
أمّا الأدلّة السمعيّة فيرجع النّظر فيها إلى الكتاب والسنّة والاجتهاد وإلى القدرة على الموازنة والجمع بينها ، وترجيح الأقوى على ما هو دونه عند تعارضهما . كقوله تعالى :
وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ