وجد بين المسلمين قطّ من نازع في الاجتهاد .
وليس من الاجتهاد تطبيق الحكم على المسائل التي تندرج تحته ، بل هو فهم للمسائل التي تندرج تحت الحكم الشرعيّ فقط ، لأنّ الاجتهاد هو استنباط الحكم من النصّ : إمّا من منطوقه ، أو من مفهومه ، أو من دلالته ، أو من العلّة التي وردت في النصّ ، سواء كان ذلك استنباط حكم كليّ من دليل كليّ ، كاستنباط « أنّ على النّاهب عقوبة » وقد جاء هذا الاستنباط من جعل الشّارع قطع اليد حدّا للسرقة ، أو كان استنباط حكم جزئيّ من دليل جزئيّ كاستنباط حكم الإجارة من قوله تعالى :
فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ
« 1 » . أو من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أعطوا الأجير أجره قبل أن يجفّ عرقه » « 2 » ، فهو دليل جزئيّ لحكم جزئيّ . فهذا هو الاستنباط للحكم الكليّ من الدليل الكليّ ، والاستنباط للحكم الجزئيّ من الدليل الجزئيّ . . كلّ ذلك يعتبر اجتهادا لأنّه أخذ للحكم من الدليل ، سواء كان حكما عامّا من دليل عامّ ، أم حكما خاصّا من دليل خاصّ .
أمّا تطبيق الحكم على المسائل المستجدّة الداخلة في معناه ، والمدرجة تحته فلا يعتبر اجتهادا . فإذا قيل : « حرّم اللّه الخمرة » كان كلّ شيء مندرج تحت هذه القاعدة محرّما فيدخل فيه كل أنواع الخمور المستجدّة ممّا لم يكن موجودا قبلا : ومنها الجنّ ، والويسكي ، والبيرة ، والفرموث ، وما شابهها . وكذلك تحريم الميتة ، سواء ماتت ميتة طبيعيّة ، أم ضربت على رأسها حتى ماتت ، أم فصل رأسها في المعمل ووضعت في علب ، فبيعها وأكلها محرّم ، لأنها لم تذبح ذبحا شرعيّا .
هامش
( 1 ) سورة الطلاق ، الآية : 6 .
( 2 ) كنز العمال رقم 9125 عن جابر عن ابن عمر .