ويكون التجسس على رعايا الدولة كله حراما .
هذا بالنسبة للتجسس على المواطنين . أما تجسس المواطنين من المسلمين والذميّين على الأعداء الحربيين ، سواء كانوا حربيين حقيقة أم حكما ، فهو مستثنى من عموم الآية لدرء الخطر عن دولتهم ، ولورود أحاديث بذلك . ومنها أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعث عبد اللّه بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين ، وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ، ثم ينظر فيه فيمضي لما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحدا . فلما سار عبد اللّه يومين فتح الكتاب يقرأه فإذا فيه :
« إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة بين مكة والطائف فترصد بها قريشا وتعلم لنا من أخبارهم » . في هذا الكتاب يأمر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عبد اللّه بن جحش بالتجسس له على قريش وبأن يعلمه من أخبارها . ولكنه لم يذكره وأصحابه بل ذكره وحده ، ويجعل التخيير لأصحابه أن يسيروا معه أو لا ، أما هو فإنه يأمره أن يمضي .
وبهذا يكون الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد طلب القيام بالتجسس من الجميع ولكنه عزم على عبد اللّه وخيّر الباقين . وهذا دليل على أنّ الطلب بالنسبة لأمير الجماعة طلب جازم وبالنسبة لغيره غير جازم . وكان ذلك دليلا على أن تجسس المسلمين على العدو جائز وليس بحرام .
وذلك لأن التجسس على العدو من الأمور التي لا يستغني عنها جيش المسلمين ، إذ لا يتم تكوين جيش للحرب دون أن تكون معه جاسوسية له على عدوه . فوجود الجاسوسية في الجيش واجب على الدولة من باب « ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب » . هذا حكم التجسس من حيث كونه حراما أو جائزا أو واجبا .
أما حكم عقوبة الجاسوس الذي يتجسس للأعداء الحربيين فتختلف باختلاف تابعية الجاسوس وباختلاف دينه . فالكافر الحربي
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 867
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٨٦٧