فيسأل عن أمر في جهة الجنوب ويتجهز للسفر فيظن من يراه ويسمعه أنه يريد جهة الجنوب . وأما أن يصرّح ويعلن أنّ غايته الجنوب ، وهو ينوي المشرق فذلك لم يحصل ، فلا يكون سؤاله ، على هذا ، إخبارا بخلاف الواقع ، إنما هو من قبيل التورية . علاوة على أنه داخل في حالة الحرب الفعلية ، لأنه ذهاب إلى المعركة لمحاربة العدو فعلا ، وهو لو على فرض حصوله يكون من باب الخدعة الواردة في قوله عليه وعلى آله الصلاة السّلام : « الحرب خدعة » .
وقد روي عن جابر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قال : « من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى اللّه ورسوله ؟ قال محمد بن مسلمة : أتحب أن أقتله يا رسول اللّه ؟ قال : نعم . قال : فائذن لي فأقول ، قال : قد فعلت . فأتاه فقال : إن محمدا قد عنّانا « 1 » وسألنا الصدقة ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى ما يصير إليه أمره » . . . ولم يزل يكلمه حتى استمكن منه فقتله . إن هذه الحادثة فيها ما يشبه الغدر ، وهو مسموح به في حالة الحرب . وإن كانت ألفاظ الحديث نصّت على أن ما قاله محمد بن مسلمة صدق وليس بكذب ، وكلامه تعريض . ولكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أذن له أن يقول كل شيء . وهذا الإذن بالكذب تصريحا وتلميحا ، جائز في حالة الحرب .
ومنه حديث أنس في قصة الحجاج بن علاط في استئذانه الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أن يقول عنه ما شاء لأجل استخلاص ماله من أهل مكة .
وقد أذن له الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فأخبر أهل مكة كذبا أن أهل خيبر هزموا المسلمين . وهذا يدخل كذلك في حالة الحرب ، إذ إنّ جواز الكذب لا يقتصر على المعركة ولا على المحاربين بل يجوز للمسلمين أن يكذبوا على الكفار أعدائهم إذا كانوا في حالة حرب فعليّة معهم .
هامش
( 1 ) عنّانا : كلّفنا بما يشق علينا .