أما ما حصل في عهد من العهود ، من وجود خلافة في الأندلس ، ونشوء خلافة للفاطميين في مصر ، فإن أمره يختلف عن موضوع الولاة . ذلك أن الأندلس قد استولى عليها الولاة واستقلّوا بها ، ولم يبايع الوالي خليفة للمسلمين وإنما سمّي فيما بعد بالخليفة على أهل تلك الولاية فقط لا على المسلمين عامة . وظل خليفة المسلمين واحدا ، وظلّ الحكم له ، وبقيت ولاية الأندلس ينظر إليها كولاية غير داخلة في حكم الخليفة ، كما كانت الحال في إيران أيام الدولة العثمانية ، فلم يكن فيها خليفة ثان ، وإنما كانت ولاية غير داخلة في حكم الخليفة .
وأما نشوء خلافة الفاطميين في مصر فلم تكن خلافة ثانية في الدولة الإسلامية أيضا ، وإنما كانت محاولة لنقل الخلافة إلى آل بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم . وهذا يشبه إلى حدّ كبير ما فعله العباسيون حين أخذوا الحكم من الأمويين ، فقد قاموا على قواعد فهم سياسيّ في بلاد فارس والعراق ، وبايعوا الخليفة القائم بتنفيذ فكرتهم ، ثم قضوا على خلافة الأمويين . وكذلك الحال التي حصلت مع الفاطميين فإنهم بايعوا خليفة عليهم ليتمّوا توحيد الدولة بنقل الخلافة إليهم ، وجعلها فيهم فقط ، إلى أن انتهت خلافتهم وبقيت خلافة العباسيين .
ولهذا لا نسمّي تغيير الحكم من الأمويين إلى العباسيين انقلابا ، وإنما هو تغيير في الحكام ، وكذلك لا نسمّي قيام خلافة فاطمية في مصر مع وجود خلافة عباسية في بغداد تعددا في الخلافة ، لأنه كان محاولة لنقل الخلافة من فئة إلى فئة . وعليه فإن الدولة الإسلامية استمرّت في الحكم دولة واحدة ووحدة لم تتجزأ ، ولم تكن دولا ، وإنما كانت هناك محاولات للوصول إلى الحكم رغبة في تنفيذ فهم معين للإسلام في شؤون الحكم . وظلّت الخلافة واحدة ، وظلت الدولة الإسلامية واحدة ، رغم تعدّد أوضاع الحكم .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 829
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٨٢٩