السلطان ، ولا تتاح لأيّ إقليم فرصته للاستقلال لكي يطبّق فيه نظاما خاصا به ، بعد انفصاله عن الدولة . علاوة على أن كل إقليم يعتبر نفسه مسؤولا عن الدولة كأنه المركز ، لأنه بضعة من جسم الدولة ، ويعتبر أنّ الاعتداء على الدولة اعتداء عليه ، والاعتداء على المبدأ في أي جزء من أجزاء الدولة اعتداء على نظامه هو . وهذا الاعتبار نفسه يحبط كلّ محاولة للانقلاب في مهدها .
أما غزو التتار ، والحروب الصلبية ، والحروب الاستعمارية وإن وجدت أعوانا لها بين المسلمين ، إلّا أنهم كانوا أفرادا ولا شأن لهم في المبدأ ، أو في النظام ، فلا تعدّ أعمالهم انقلابا ، وإنما هي عون للغزو المسلح ضد الإسلام والمسلمين . وأما ما فعله معاوية من نقل الخلافة إلى ملك ، وإحداث ولاية العهد ، فلا يسمى انقلابا وإنما هي إساءة للتطبيق ، وانحراف بالحكم عن الطريقة الإسلامية المثلى التي كانت مطبقة في عهد الخلفاء الراشدين . وقد توسّل معاوية لهذا بدعوى الاجتهاد بما يوافق المصلحة ( أي مصلحته الخاصة ) ، وبإظهاره - خداعا - الحرص التام على كيان الأمة الإسلامية .
ومعاوية بن أبي سفيان كان يفهم رئاسة الدولة أنها ملك وليست خلافة . انتبه إلى قوله حين خطب في أهل الكوفة بعد الصلح مع الإمام الحسن عليه السّلام ، قال : « يا أهل الكوفة أتراني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج وقد علمت أنكم تصلّون وتزكون وتحجون ؟
ولكنني قاتلتكم لأتأمّر عليكم وعلى رقابكم . وقد آتاني اللّه ذلك وأنتم كارهون . ألا إنّ كلّ مال ودم أصيب في هذه الفتنة فمطلول « 1 » ، وكل شرط شرطه الحسن فتحت قدميّ هاتين » . . نعم استمع إليه وهو يقول ذلك تجده يعلن عن نفسه ، أنه يخالف الإسلام ، حين يعلن أنه قاتل
هامش
( 1 ) فمطلول : مهدور .