سوى وسيلة لا غاية ، على أساس أن الدنيا دار ممرّ ، والآخرة دار مقرّ ، فتكون الآخرة هي الهدف ، ورضوان اللّه الكريم هو الغاية . قال عليّ أمير المؤمنين عليه السّلام عن الدنيا « ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم » .
وقوله هذا يعبّر عن حقيقة الحياة الدنيا من أنها دار اختبار وابتلاء للإنسان ، بينما الحياة هي الآخرة ، وهي الدائمة والأزلية . ولكنّ نوع الحياة الآخرة يتوقف على عمل الإنسان في هذه الدنيا وعلى مدى تقيّده بأوامر اللّه تعالى ونواهيه ! .
فالإسلام إذن قد أنزله اللّه تعالى دينا قيّما على الحياة ، ونظاما متكاملا لرعاية شؤون الناس ومصالحهم في الدنيا ، وتأمين فوزهم في الآخرة . . ولذلك أراد اللّه العلي العظيم ، ومن خلال هذا الدين ، أن يكون هيكل المجتمع الإسلامي قائما على أعمدة ثمانية هي التي تتمثل بحدود اللّه - عز وجل - وهي الحدود التي يكمل فيها بنيانه ، وتتقوّى بها علائقه وروابطه ، وتشتد قواه وعزائمه ، وتنتظم أموره وشؤونه ، فلا يخالطه ضعف وانحطاط ، ولا تجرفه نوازع وأهواء . . فإذا اختلّ أحد هذه الأعمدة ، التي تقوم عليها أركان الشرع الأساسية ، اهتزّ سائر أجزاء الهيكل ، وتقوّضت أسس بنيانه . ولعلّ في المثال الحسي ما يقرّب هذه الفكرة من الأذهان ، ويعطي الصورة الواضحة عن كيفية بناء المجتمع الإسلامي . . فلو أن فاحشة الزنا تفشت بين الناس ، لا سمح اللّه تعالى ، لضاعت الأنساب وهتكت الأعراض ، وصار مثل الإنسان في المجتمع كمثل الحيوان في الغابة ، لا عقل لديه يوجّه ، ولا حياء يمنع ، ولا إيمان يردع . ولو أن جريمة السرقة شاعت بين أبناء المجتمع لباتت الأموال والأرزاق في خطر دائم ، وحرم السارقون أصحاب المال من الانتفاع بملكيتهم الخاصة ، بل وقد يعيش هؤلاء المالكون بعد سرقة أموالهم في الفقر والجوع وسخط العيش . . هذا لو أخذنا السرقة بمعناها الفردي المحدود . أما السرقة بمعناها
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 500
مساهمون: سميح عاطف الزين
ص٥٠٠