قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ
« 1 » . ولم يفرق القرآن الكريم بين دين قليل أو كثير ، كما هو الحال في القوانين الوضعية التي ألزمت الكتابة إذا زادت الديون غير التجارية على حد معيّن . . بل ألزم الكتابة في الدين لأنه حق ، والحق لا يتجزأ ، وإذا كان القرآن الكريم لا يوجب الكتابة في المواد التجارية ، لأن طبيعة التجارة تستدعي السرعة في المعاملة ، إلّا أنه قيد التجارة بالحال ، أي أن يكون البيع بالنقد لا بالنسيئة ، ومع ذلك فقد فرض وجود شاهدين على الكتابة :
وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ .
أما الفقهاء فأكثرهم ، ومن مختلف المذاهب ، لم يوجبوا الكتابة في الدين ، ولا في البيع ، وما إليه ، وحملوا الأمر بالكتابة في الآية الكريمة على الاستحباب ، بل إن كثيرا منهم لم يتعرض في باب الدين لحكم الكتابة سلبا أو إيجابا . أما حجتهم في ذلك فهي أن المدعى عليه إن اعترف بالكتابة دخلت في باب الإقرار ، وإن أنكرها وكان عليها شهود كانت أيضا شهادة بالإقرار ، وإن كانت بلا إقرار ولا شهود أهملها القاضي .
هذا وقد ذكر الفقهاء أن الوارث إذا وجد وصية من المورّث مكتوبة بخط يده ، أو مالا مكتوبا عليه منه أنه وديعة ، أو وجد كتابا بخط يده على وقف . . قالوا : إن كل هذه الأمور ليست بشيء إلا إذا أقرّ بها الكاتب ( المورث ) قبل موته ، أو علم الوارث بصحتها علما قاطعا . وهذا يدل على أن الفقهاء كانوا ولا يزالون يتوقفون عن الحكم بالأموال والعروض استنادا إلى كتابة لم تثبت ببيّنة ولا بإقرار .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، الآية : 282 .