نفس
« هُمُ الْمُفْلِحُونَ »
38 الفائزون بالنعيم المقيم عند اللّه القائل
« وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ »
بأن تأخذوا أكثر منه
« فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ »
بل يمحق بركته ويفنيه ، وقال بعض المفسرين ما أعطيتم من الهدايا بقصد أن تعود عليكم بأكثر منها فلا يبارك لكم فيها عند اللّه لأنكم لم تبتغوا بها وجهه ، فلا يثيبكم عليها ، وقال إن هذا كان متعارفا عندهم قبل الإسلام ، وبقي على حاله فيما بينهم ، وحرّم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم وحده ، واستدلوا على هذا بقوله تعالى
( وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ )
الآية 6 من سورة المدثر المارة في ج 1 ، ولهذا يقولون تأتي الهدية على حمار فترجع على بعير . وقد بينا ما يتعلق بهذا في الآية المذكورة من المدثر فراجعها . وقال بعضهم المراد بالزيادة هنا الزيادة المعروفة بالمعاملة التي حرمها الشرع ، لأن الآية نزلت في ربا ثقيف وقريش ، وهذا القول أوفق بظاهر الآية لأنها تشير إلى مقدمات تحريم الربا على طريقة التدريج التي أشرنا إليها في المقدمة في بحث التدريج بالأحكام ، كما وقع في الخمر ، والمعنى الأول بعيد عن الظاهر ، على أنه يبعد أن يراد بها واللّه أعلم بيوع العينة التي كانت تتعاطاها الجاهلية وبقي أثرها في زمننا هذا ، المشار إليها في الحديث الذي روته السيدة عائشة رضي اللّه عنها في بيع العينة ، وذلك أن يبيع الرجل ما يساوي خمسة بعشرة مثلا لقاء الإمهال ، أو يبيعه شيئا صوريا لا حقيقة له مثل أن يقول له اشتريت مني هذه الساعة أو هذا البساط أو هذا القماش بعشرة ؟ فيقول اشتريت ، وقبلت ، لفظا من غير تقابض أو بتقابض ، ثم يقول له بعتنيه بثمانية ؟ فيقول بعتكه ، فيعطيه الثمن الأخير ويكتب عليه الأول ، فهذه بيوع لا يبارك اللّه بها لأن ظاهرها بيع وباطنها ربا ، واللّه مطلع على النيات لا تخفى عليه خافية والأمور بمقاصدها ، لهذا فإنه تعالى لا بد وأن يسلط على متعاطيها ما يمحق ماله ويسلب نعمته من ولد أو زوجة أو قريب أو إتلاف بحرق أو غرق أو خسارة ، لأن هذا العمل حيلة على اللّه العالم بجليات الأمور وخوافيها ، وقد مسخ اللّه طائفة من بني إسرائيل قردة وخنازير حينما احتالوا على صيد السمك يوم السبت راجع الآية 162 من الأعراف في ج 1 ، وقال بعض الأئمة إن الذين يأكلون الربا بالحيلة يحشرون يوم القيامة على صور القردة والخنازير ، استنباطا من