الغريب الذي نفدت نفقته فبقي منقطعا عن أهله فينبغي لمن وسع اللّه عليه أن يعطيه ما يكفيه ويبلغه أهله . وليعلم أن اللّه تعالى إذا بسط رزقه على عبده فإن ما ينفقه منه في سبيل البر والخير لا ينقصه بل يزيده ، كما أنه إذا ضيق عليه فإن التشدد بالإمساك لا يوفر عليه ، وفيه قيل :
إذا جادت الدنيا عليك فجد بها * على الناس طرا قبل أن تنفلت
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت * ولا البخل ينميها إذا هي ولت
بل عليه الشكر إذا رزق ، قال تعالى
( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ )
والصبر عند الضيق ، قال تعالى
( وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ )
الآية 7 من سورة إبراهيم المارة . وما قيل إن هذه الآية مدنية والمراد بها الزكاة قيل لا قيمة له لأنها مكية كسورتها ، واستثناؤها يحتاج إلى دليل ، ولم يوجد ، ومما يدل على أن المراد بها غير الزكاة الإجماع على مكيتها ، والزكاة لم تفرض إلا في المدينة ، وقد استنبط من هذه الآية الإمام أبو حنيفة وجوب النفقة لكل ذي رحم محرم ذكرا كان أو أنثى إذا كان فقيرا عاجزا عن الكسب على قريبه الموسر ، ووجه استنباطه هو أن آت أمر ، والأمر للوجوب ما لم يصرفه صارف ، وهو هنا معدوم ، والظاهر من الحق بقرينة ما قبله أنه مالي ، وقد جاء بجانب المسكين وابن السبيل بعد القريب ، ولو كان المراد الزكاة لم يقدم ذو القربى عليهما لأنهم فيها سواء . هذا وما جاء عن أبي سعيد الخدري أنه لما نزلت هذه الآية أعطى عليه السلام فاطمة رضي اللّه عنها فدكا لم يثبت ، وينفيه ما اشتهر أنها ادعت فدكا بعد وفاة أبيها صلّى اللّه عليه وسلم بطريق الإرث ، وقد ردت دعواها لقوله صلّى اللّه عليه وسلم : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة ، - أو كما قال - . وقد ثبت لك أن الآية المدنية لا بد من دليل يؤيد مدنيتها ، وهذه الآية مكة ، وحادثة فدك بالمدينة ولا يوجد ما يؤيدها .
قال تعالى
« ذلِكَ »
إعطاء القرابة المساكين وأبناء السبيل فيه
« خَيْرٌ »
كثير لفاعله ، وإنفاق المال لأمثال هؤلاء أحصن من الاستئثار للإنسان بما أتحفه اللّه به من النعم ، ومنعه من الفقراء وشبههم
« لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ »
بإنفاقه ويتقربون به إليه
« وَأُولئِكَ »
المريدون وجه اللّه بصدقاتهم المعطون لها عن طيب